التعجيل بالفطر..والسنن المصيرية !
التاريخ: 23-9-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


من مقاصد هذا الدين اليسر والاعتدال، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، ولا نزال نرصد سقوط بعض المتنطعين لأسباب كثيرة، قد يكون منها الرغبة باستدراك ما فات، باتباع الهوى في الإكثار من طاعة لم تثبت، أو بهجر تحذير نبوي، قد يدرجه بعض الفقهاء في التخلّي الذي  لا يجلب إلاّ العتاب، وقد يذهل بعضنا عن الحكمة من وراء بعض المناهي المخفّفة، أو التي تبدو كذلك، ويكون النهي فيها مرتبطا بأمر يُضفي عليها الأهمية، بالرغم من أنها في آخر سلم الأولويات، وقد لا يبدو فيها ذلك التأثّم إلاّ حين يأخذ الأمر فيها البعد الجماعي، الذي قد يؤشِّر إلى أن هناك خللا على مستوى الوعي ببيِّنات هذا الدين.



أخرج البخاري (3/36) ومسلم(2/771) عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".

وأخرج أبو داود (2/305) والنسائي في الكبرى(3/370) وأحمد (15/503) وابن خزيمة (3/275) وابن حبان (8/274) والحاكم (1/596)- وقال: "صحيح على شرط مسلم.."- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الدين ظاهرا ما عجّل الناس الفطر، إنّ اليهود والنصارى يؤخِّرون". قال الألباني في صحيح أبي داود(7/121): " إسناده حسن، وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والذهبي والبوصيري".

التعجيل بالفطر في الصوم سنّة، تظاهرت النصوص-أو تواترت بتعبير بعض الفقهاء والشراح- على توثيق الحكم بذلك، ولو صحّ الخبر الذي يقول الله فيه: " أَحبُّ عبادي إليّ أعجلهم فطرا" لكان دليلا آخر قويا على أهمية الأمر، بالرغم من أن الحكم بذلك لا يتعدّى الاستحباب، غير أن ربط الأمر بالخير يلازم الناس ما لازموا التعجيل يلفت النظر أكثر، كما أن التنصيص على التمكين للدين بالحرص على هذه السنة يستوجب التوقف !

حرص هذا الدين على مخالفة أهل الكتاب لا يخفى، والتحذير من المسالك التي آلت بهم إلى الغلوّ والانحراف تكرّر وروده في الكتاب والسنة، وقد يصل الأمر -لتجنّب المآلات المشار إليها- إلى حدّ سدّ أي ذريعة تُفضي بصاحبها إلى المحذور، وأزعم أن سنة التعجيل من هذا الباب، صحيح أن حديث الصحيحين لم يأت على ذكر أهل الكتاب، واقتصر على ذكر بقاء الخير في الأمة ما بقي فيهم الحرص على السنة المذكورة، لأن سند الحديث لا يرقى إلى شروط البخاري ومسلم، غير أن الرواية الأخرى التي أخرجها جمع من الأئمة تنصّ صراحة على العلّة، وقد انفرد أبو داود والحاكم بقولهما: "لأن اليهود والنصارى يؤخرون" بينما قال الآخرون: "إن اليهود والنصارى يؤخرون"

يبدو أن الدافع إلى مخالفة ما ورد من توجيه هو التحوّط، الذي يلجأ إليه عادة الأتباع في أوقات الضعف، فيناقضون بتحوّطهم مقاصد الشارع، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حازما مع النفر الذين أرادوا أن يتبتّلوا، اعتقادا منهم أن صنيعهم هو الأصوب، مخالفين بذلك سنته، فقال لهم كما ثبت في الصحيح: "فمن رغب عن سنتي فليس مني".

 قال الحافظ ابن حجر في الفتح (4/199): " وتأخير أهل الكتاب له أمد، وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضا بلفظ: لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم، وفيه بيان العلة في ذلك، قال المهلب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة...".

ثم نقل عن الشافعي ما يفيد تقييد الإطلاق في النهي فقال: ".. قال الشافعي في الأم: تعجيل الفطر مستحب، ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمّده ورأى الفضل فيه، ومقتضاه أن التأخير لا يكره مطلقا، وهو كذلك، إذ لا يلزم من كون الشيء مستحبا أن يكون نقيضه مكروها مطلقا..".

وحين يبتعد الناس عن مقاصد التشريع الحقيقية -جهلا أو تأولا- فإنهم يُحدثون البدائل التي تنأى عن التيسير بحجة التحوّط، قال ابن حجر عما أُحدث في عصره: "من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان، من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح، التي جُعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعما ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة، لتمكين الوقت -زعموا- فأخروا الفطر وعجلوا السّحور، وخالفوا السنة، فلذلك قلّ عنهم الخير وكثر فيهم الشر..".



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4835