خصام بين المسجد وبين السوق
التاريخ: 23-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


الأمكنة مثل بقية الأشياء والناس، فيها المفضلة المحبوبة، وفيها المذمومة المكروهة، وذلك بحسب ما تساعد على نشره من فضائل ونقائص، وفي هذا المعنى نلاحظ، وفي أغلب الأوقات، الخصام المتجدد بين المسجد وبين السوق، إذ أن أحدهما يوزع المثل العليا ويدعو إلى الصواب في الأمور، والآخر يزرع النقائص ويرغب في ارتكاب الخطايا، وهذا ما يسبب الخصام الدائم بين الطرفين والذي يشتد حينا ويضعف أحيانا بفعل الظروف المتغيرة، ومن المقرر الثابت لدى العقلاء أن المساجد هي أحب الأماكن إلى الله، لأنها ميدان للهداية والرشد، والعبادة والتوبة، والحق المنشود، بينما الأسواق وفيها المطاعم والطبخ، هي أكره الأماكن إلى الله لأنها أمكنة للثرثرة والغش والنفاق والاعتداءات اللفظية واليدوية، والخصام الذي ينبعث لأتفه الأسباب، وخاصة أثناء شهر الصيام الذي نمر به، أو يمر بنا في هذه الأيام التي تتخاصم فيها فضائل المسجد مع نقائص السوق، والسؤال لمن تكون الغلبة والرجحان؟

بقلم: إبراهيم قمور



ففي المسجد قد بحت أصوات الوعاظ، في الدعوة إلى ترشيد النفقات المالية، وتنظيم أسلوب الاستهلاك لأن شهر الصيام لا يأتي للتبذير والفوضى، وإنما يأتي للعبادة والتوبة، وطلب الغفران، ويأتي أيضا لتجديد السيطرة على النفس وقيادتها إلى الأحسن والأفضل، ولهذا فقد كانت الفتوحات الإسلامية عبر الأزمنة، حدثت خلال شهر الصيام، وهذا دليل على أن المسلمين الأولين أدركوا المعاني الحقيقية للصيام، فاعتمدوا على تلك القوة الروحية الجبارة التي تتجلى في الأعمال البناءة والتصورات الفاضلة للأشياء، والقضايا والاستعداد لحساب الآخرة، ورغم الوضوح في هذا الموقف نرى بعض الناس يخالفون ما يعرضه المسجد من وعظ وإرشاد إلى الصواب، والدعاء إلى الصلاح والفائدة الفردية والاجتماعية، وفي هذه الدعوة تنبيه للغافلين الذين قد يظنون ترغيب الصيام في النوم والسهر الفارغ، والأكل المفرط، والضجيج المتصل، والطباخون من ناحيتهم يتفننون في عرض ألوان الأطعمة التي يقلدون فيها غيرهم أو يبتكرونها بمواهبهم الخلاقة، والباعة ينادون، هذه شرقية وتلك غربية، وأخرى مكتشفة حديثا من بعض القنوات التلفزية الجديدة، ويقبل المستهلكون على الشراء في عنف وازدحام، وفي استباق وتفاخر غريبين، وتغرق بعض الأسواق في الغش والكذب، ورفع الأسعار إلى فوق قدرة الضعفاء الذين تعودوا أن ينتظروا شهر الصيام ليكون رحيما بهم، وإذا بهم يواجهون شهرا مملوء بالقسوة والغلاء مما ينكره العقلاء وأهل الإيمان الصحيح.

ثم نرى بعض الجشعين يقبلون على شراء الفواكه والحلويات في عنف وازدحام غريبين، وإذا مررت بسوق رأيت العجب، ترى المأكولات من كل صنف تعرض على الأرصفة في الشوارع الواسعة والضيقة، إنها حمى الشراء والشكوى من الغلاء، ولا يلتفت هؤلاء ما يعانيه الضعفاء والمحتاجون من ضيق، ويحاول المسجد أن يخفف من غلواء هذا الجشع بالاعتماد على آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة كلها تبين مضرة الاستهلاك الفوضوي والتبذير المفسد والمهلك والمذموم، ولكن الطباخين يقبلون على المزيد من التفنن في صناعة الحلوى، وتجار الفواكه يعرضونها في ترتيب جذاب...إنه موقف مثير وسباق ظاهر بين الطرفين المسجد يرشد إلى القناعة التي تعبر عن الصيام الحقيقي الذي تتجلى فيه العبادة والاهتمام بالآخرين ومساعدتهم، والسوق الذي يغري بمواصلة الشراء ويرغب في الاستماع بالمشتريات إلى أقصى حد في افتخار، وتظاهر بالقدرة المادية التي قد تميز الناس عن بعضهم، إلى جانب القوة الروحية التي تدفع إلى التحكم في الميول والرغبات الصادرة عن بعض العواطف المندفعة إلى الإفراط في الاستهلاك مع أنانية طاغية وخسارة مؤكدة. وهناك مستثمرون أجانب اكتشفوا ميلنا إلى ألوان من الأطعمة والحلوى فاتجهوا إلى الاستثمار في هذا الميدان، ويبدو أنهم نجحوا فيه ووفقوا في اختيار الاتجاه لماذا؟ لأن الآكلين عندنا يفضلون المجهول على المعروف والخارجي على الداخلي والأجنبي على الوطني.

وهذا ما جعل الخصام متواصلا بين المسجد الداعي إلى السيطرة على النفس وقمعها وقيادتها إلى الصواب، وبين السوق المغري بتجاوز الحد في الاستهلاك والتبذير المذموم والمرفوض من جميع العقلاء والحكماء. ومن الحق أن يفوز المسجد في هذا الخصام لأنه يرمي إلى بناء القوة الروحية والإرادة الصلبة التي تتحطم أمامها كل الحواجز وتزول من طريقها كافة العقبات، وهذه ناحية مما يهدف إليها صيام شهر رمضان بالعبادة والقيام وتلاوة القرآن، إنه موقف جدير بالبيان والتوضيح والتأييد وفيه انتصار وغلبة المسجد.  







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4837