ومن آفات الأخبار أيضا
التاريخ: 23-9-1437 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


تكلمنا في موضوع سابق عن آفة من آفات الأخبار وهي رواتها، الذين يزيدون فيها وينقصون منها بمقتضيات ومبررات ذكرناها، ثم بدا لي أن هناك آفة أخرى للأخبار أخطر وأخبث، وهي صناعة الخبر نفسه، حيث أن الأخبار أضحت صناعة من الصناعات التي تستعملها الدول والفئات المتناحرة في صراعاتها مع خصومها، فلم يعد الخبر مجرد رواية ينطق بها زيد فيتلقفها عمرو لينقلها إلى فلان وعلان، وإنما الخبر اليوم قد يكون لا أساس له أصلا، فتنبني عليه الكثير من الآراء والمواقف، فيساهم في تثبيت أمر وإلغاء أمر آخر.. ويبرئ شخصا ويجرم شخصا آخر..؛ بل قد تكون صياغة خبر لا تثبت شيئا ولا تنفيه، لما فيها من الإيهام بأمور قد تكون عفوية أو مقصودة.



وكل ذلك يتم وفق إرادة صانع الخبر..وسيلة إعلامية أو مركز أبحاث أو مكتب دراسات أو خلية أمنية، وسواء كان الخبر لا أصل له أو كان.. لكن صياغته توحي بأكثر من معنى أو وقع بصفة ويراد له أن يظهر بصفة أخرى..

تابع كثير من الناس قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي، مشهدا مصورا على اليوتوب أن مواطنا مصريا في المسجد الحرام يحمد الله على أنه أعاد له بصره..وقد تعاطف كل من رأى ذلك المشهد مع الرجل المعافى، رجل فرحٌ ببصره؛ بل ومن الناس من اقشعر بدنه لهذه الكرامة الربانية..ولكن سرعان ما طلعت علينا مواقع التواصل لتقول إن ذلك الرجل الذي ادعى أنه كان أعمى فرد الله عليه بصره وهو يؤدي مناسك العمرة، رجل محتال وقد سرق الكثير من حاجات الناس من هواتف ذكية ثمينة وأموال وإلى ما هنالك..، شعر أنه متابع بنظرات الناس له أو من قبل رجال الأمن، فقام بهذه المسرحية للفت انتباه الناس عن فعله الأصلي..، ثم تحول الخبر إلى أن أصل الحكاية ثابت ولكنه يتضمن نصف الحقيقة، وهي أن هذا الرجل لم يكن أعمى، وإنما كانت عينه اليسرى مصابة بمرض فكان لا يرى بها إلا قليلا، وقال له الأطباء إنها لن تشفى...ففي هذه المناسبة وهو يؤدي مناسك العمرة، وفي لحظة رفع رأسه من السجود فرأى أن عينه اليسرى قد تحسنت كثيرا وأصبح يرى بها جيدا ففرح بذلك فرحا شديدا..وفي هذه اللحظة ظهرت عليه انفعالات الفرح الشديد وكان بجواره شخص صور المشهد لشدة إعجابه به..وانتشر ولكن تعليقات المعلقين هي التي فعلت به ما فعلت...

في قصة مثل هذه، لا يسع العاقل إلا أن يعود إلى المربع الأول وهو أين الحقيقة من غيرها؟ أين الصح؟ وأين الغلط؟

ويعرف في عالم الإعلام والدعاية أن هناك الإشاعة ولها مخابرها..وهناك التسريبات ولها مخابرها.. وهناك عالم الإشهار والدعاية وله فنونه وآلياته..، وهناك صناع الرأي والتوعية الانتخابية، وقد ألف أحد الخبراء في هذا الميدان كتابا سماه "المتلاعبون بالعقول"، وكشف فيه عن كيفية التضليل الإعلامي الذي تقوم به مؤسسات ضخمة ومكاتب دراسات هامة.

كل ذلك مما يمكن إدراجه في عالم الأخبار التي نمثل فيها –نحن- الروافد لها في غالب الأحيان ونلعب فيها الدور الأهم؛ لأننا نحن المروجون لها والعاملون على إذاعتها وإشاعتها من غير شعور منا؛ بل ونحسب أننا نحسن صنعا..وسواء في ذلك تناقلناها كمعجبين أو كناقمين عليها فنحن مروجون لها على كل حال{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.    

 



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4840