في دخول الأوربيين والوثنيين الجنة؟!
التاريخ: 8-10-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


   عاد الدعاة والفقهاء في الآونة الأخيرة إلى إثارة الجدل مجددا بتصريحاتهم وفتاويهم الغريبة؛ فبعد أيام من اتِّخاذ المسمى "الشيخ ميزو" قراراً بالانتحار برمي نفسه في نهر النيل احتجاجا على ظلمٍ تعرّض له في مطار القاهرة، وتصريح الشيخ يوسف القرضاوي بأن "رجم الزاني الثيّب شريعة يهودية أبطلها القرآن الكريم بآية الجلد"، جاء الدورُ على شيخ الأزهر أحمد الطيِّب الذي قال إن الأوربيين سيدخلون الجنة لأنهم "أهل فترة" والإسلام لم يبلغهم بكيفية صحيحة.

بقلم: حسين لقرع



 

 

   أوضح شيخ الأزهر فتواه الغريبة قائلاً: "الأوربيون ينطبق عليهم حكم أهل الفترة ولن يعذبهم الله، لأن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بلغتهُم بطريقةٍ مغلوطة ومغشوشة ومنفّرة..الناس في أوروبا لا يعرفون الآن عن الإسلام إلا ما يرونه من قتل وغيره، فكيف يعذب الله تعالى شعوبا مثل الشعوب الأوروبية وهي لم تعرف عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أيّ صورة صحيحة؟ وكذلك الحال مع الوثنيين في أدغال إفريقيا الذين لم تبلغهم الدعوة أو بلغتْهُم بصورة مشوّهة ومنفرة حملتهم على كراهية الإسلام ونبي الإسلام". وحمّل الطيب علماء الإسلام مسؤولية التقصير في تبليغ رسالة الإسلام السمح إلى غير المؤمنين به وعدم تصحيح صورته المشوّهة، كما تطرّق الطيب إلى ظاهرة الغلو والتطرف في الدعوة؛ إذ يقوم بعض المتنطعين بالتركيز على تكفير مختلف فرق المسلمين كالصوفية وغيرها، ومنح الأولوية للدخول في جدالات وخصومات دينية مع هذه الفرق عوض دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.

   والواقع أن ما ذكره الطيب يحمل الكثير من الصحة، ليس في مجال إفتائه بأن الأوربيين ووثنيي إفريقيا "أهلُ فترة لن يُعذّبوا" أو سيدخلون الجنة بلا عذاب، فتلك مسائل غيبية يبتّ فيها الله سبحانه وتعالى وحده، وليس لشيخ الأزهر أو غيره من علماء المسلمين، مهما أوتوا من علم، أن يقرّروها أو يبتّوا فيها بدل الخالق تعالى، فهو أعلم بمن يدخل الجنة من عباده ومن يدخل النار، وهو الأحق بأن يعذّب من يشاء ويغفر لمن يريد..ولكن ما ذكره الشيخ الطيب عن عدم تبليغ الدعوة الإسلامية للأوربيين والوثنيين والعالم أجمع بشكل صحيح، هو أمرٌ لا جدال فيه، ولا يغرّنا في هذا انتشارُ الإسلام في القارات الخمس، فعدد المسلمين لا يتجاوز 1.5 مليار مسلم من نحو 7.5 مليار شخص في هذه المعمورة، أي أن المسلمين لا يشكلون سوى 20 بالمائة فقط من سكان العالم، مقابل 80 بالمائة لغير المسلمين، أليس هذا دليلا دامغا على تقصير كبير في تبليغ الإسلام للعالم وإقناع البشرية بأنه الدينُ الصحيح؟

   ولا شك أن جلّ سكان المعمورة قد سمعوا بالإسلام بشكل سطحي في العقود الماضية ولم تكن لديهم أدنى فكرة عنه، سوى أنه أحد الأديان السماوية الثلاثة، ولم يكونوا يرون فرقا بينه وبين المسيحية واليهودية، والمفارقة أنه عوض العمل على تكثيف الدعوة في مختلف بقاع العالم لتبليغ الإسلام للناس كلهم، وهذا حقهم على المسلمين، فإنَّ المجال تُرك للجماعات الإرهابية لـ "تُشهِر" للإسلام بطريقتها الخاصة والخاطئة، فكان لتصاعد الإرهاب في العالم منذ نحو ربع قرن أثرٌ كبير في تشكيل الأحكام المسبّقة لدى مختلف الشعوب غير الإسلامية حول الإسلام بأنه دينٌ يحض على العنف والقتل وسفك دماء غير المسلمين ومهاجمتهم في ديارهم وترويع الآمنين منهم وقتلهم جماعيا دون تمييز بدعوى "الجهاد في سبيل الله"، واستغلّ الإعلام اليهودي هذه الفرصة الذهبية التي منحها له متعصِّبون منغلقون يؤوِّلون الإسلام بما يخدم أهدافهم، فأمعنوا في تشويه صورته في العالم، حتى تشكّلت له الآن صورة نمطية لدى مختلف الشعوب بأنه دين إرهاب وعمليات انتحارية وقتل جماعي للسكان دون تمييز، فكان ذلك عاملاً حاسماً في ظهور "الإسلاموفوبيا" أو موجة كراهية الإسلام ومحاربته في الغرب، ودفعت الجاليات المسلمة في الغرب ثمنا باهظا لها، كما كان عاملا حاسما في كبح انتشار الإسلام هناك.

   وقد ازدادت الصورة قتامة بعد ظهور "داعش" وتغوّله وقيامه بمذابح وحشية وعمليات إعدام رهيبة لخصومه بوسائل مختلفة، بلغت إلى حدّ حرق أسراه أحياءً، أو تفجير أجسادهم، أو ذبحهم وقطع رؤوسهم...ثم تصوِّر كل ذلك وبثّه للعالم كله ليراه عبر الأنترنت وكأنها حققت إنجازا عالميا عظيما، فكان لذلك أسوأ الآثار في نفوس الغربيين وفي أحكامهم على الإسلام كدين، وهم معذورون ما دام بعض المسلمين هم الذين يقدّمون ذلك للغرب على أنه "جزءٌ من تعاليم الإسلام"؟!

   وفي ظل التشوّه الكبير لصورة الإسلام، وترسّخه في أذهان مختلف شعوب العالم كدين للقتل بأبشع الطرق والمذابح الوحشية والاعتداء على المدنيين الآمنين في أوروبا وأمريكا وغيرهما، فإن مَهمَّة علماء الإسلام تبدو كبيرة جدا لإزالة هذه الصورة النمطية عن الإسلام وتقديم الصورة الصحيحة للعالم كدين سمح يمكن للمسلمين فيه أن يتعايشوا مع العالم كما فعلوا طيلة 14 قرناً، وأن ينفعوا البشرية بعلومهم ومعارفهم كما فعل مسلمُو الأندلس وغيرُهم في القرون الماضية.

   على العلماء أن يُقنعوا العالم أن ما يقع من جرائم وحشية باسم الإسلام لا يمتّ إليه بصلة، بل يرتكبها أناسٌ متزمّتون متعصِّبون فهموا الإسلام بطريقةٍ خاطئة وفسّروه وفقاً لأهوائهم وميولهم وحللوا دماء حتى المسلمين الذين لم يوافقوهم الرأي وأمعنوا في تكفير إخوانهم المسلمين دون رادع وسفكوا دماءهم دون حدود، فهؤلاء لا يمثلون الإسلام في شيء، بل هم وبالٌ عليه وعلى الأمة الإسلامية.

   إنها مَهمّة بالغة الصعوبة في ظل انتشار الصورة النمطية المشوّهة عن الإسلام، ولكنها مَهمّة ضرورية جدا، ويجب أن تحظى بالأولوية القصوى، فإذا كان الإرهابيون المتزمتون مسؤولين عن تنفير شعوب العالم من الإسلام، فإن العلماء مسؤولون عن بقائهم متفرّجين على الكارثة التي تلحق في كل لحظة بصورة هذه الدين، وعن عدم بذل جهودٍ كافية لتصحيحها. 

 

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4845