ماذا يحدث في أوروبا ؟
التاريخ: 8-10-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


فجأة، وبلا سابق إنذار اهتزت القارة الأوروبية على وقع قرار أغلبية الشعب البريطاني بنسبة 51 بالمائة مقابل 49 بالمائة الخروج من الاتحاد الأوروبي، لأسباب كثيرة كثفت ولخصت في سبب واحد هو خطر الهجرة إليها من الشرق الأوسط أولا ومن أوروبا الشرقية.

بقلم: محمد الحسن أكيلال



 

رغم كل الذكاء الذي تتميز به النخب السياسية الأوروبية الغربية، وكل معاهد ومراكز الاستشراف والإستراتيجيات لم يعرف كل هؤلاء القادة أن قارتهم العجوز التي مرّت بمحن حروب مدمرة فيما بينها وخاصة الحربان العالميتان الأولى والثانية بسبب التنازع على المجالات الحيوية والتوسع الجغرافي داخليا وخارجيا بدافع القومية والوطنية الشوفينية المتعصبة، وقد اهتدى القادة التاريخيون ذات يوم في خمسينيات القرن الماضي، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل "شارل دوغول" إلى الدعوة إلى العمل على توحيد القارة لتبتعد وإلى الأبد عن الحروب فيما بينها، وواصل خلفه فيما بعد "فرانسوا ميتران" العمل في المسعى، وقد كان يدرك جيدًّا أهمية المملكة المتحدة في إنجاحه، فاقترح بداية حفر نفق تحت بحر المانش يصل باريس بلندن بالطريق السيار والسكك الحديدية، ليكون هذا المعبر أرضية ومنشأة قاعدية لبناء الاتحاد الأوروبي، طبعا لم ينس ألمانيا التي كانت وما تزال معجزة العالم الاقتصادية والتكنولوجية، ولكنها لكونها تقع على حدود فرنسا الشمالية، ولها من الذكريات الأليمة ما يلزم ألمانيا بقبول المسعى تحت ضغط التاريخ والجغرافيا التي تحركت بينهما أكثر من مرة شمالا وجنوبا وانتهت إلى التوقف بالإكراه نزولا عند شروط معاهدة فرساي التاريخية التي وقعها ممثل الحكومة الألمانية المنهزمة تحت فوهات البنادق.

إذا كانت ألمانيا التي فهمت وتفهم جيدًّا المطلوب منها من جيرانها، لكن فرنسا يبدو أنها لم تستوعب الفكرة التي وصفت بها بأنها الدولة المنهزمة في الحرب العالمية الثانية، وكانت السبب في رفض الجنرال "دوغول" الانخراط في حلف الشمال الأطلسي، خلال فترة حكمه وبعده "بومبيدو" و "جيسكار ديستان" (من حزب الديغوليين) إلى أن جاء اليسار بــــ "فرانسوا ميتران" الذي فهم اللعبة الأمريكية وسارع إلى العودة إلى هذا الحلف الذي لم يتخل يوما عن ميوله ونزعته وتراثه الاستعماري.

النخب الغربية الجديدة، وخاصة تلك الآتية من الأحزاب اليسارية قد تكون مستندة إلى التحولات العميقة التي تعرفها البشرية عامة وشعوبهم خاصة بفعل الثورة التكنولوجية المعلوماتية والإعلامية، وقد تكون مخدوعة فعلا من طرف نخب اليمين في كل من أمريكا التي يقودها المحافظون الجدد منذ سنوات السبعينيات من القرن الماضي، وهؤلاء المحافظون الجدد لا تخفى ميولهم الفكرية والعقائدية التي تنبع أصلا من الفكر الصهيوني، فهم ارتبطت في أغلبيتها بالمذهب البروتستانتي وبالكنيسة الإنجيلية المعمدانية التي جمعت في إنجيلها التوراة ونصوص العهد القديم إلى جانب أن تأخذ من إنجيل المسيح عليه السلام، طبعا لا يجب نسيان أن الأسس والمنطلقات من إنجيل (جورج الخامس)، كما لا يجب نسيان أن أول دولة غربية استجابت لمطلب الحركة الصهيونية بمنحها أرض فلسطين أرضا لليهود قبل جلاء قواتها منها، وبريطانيا العظمى في ذلك العهد كانت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، حيث كانت مستعمرة لأغلب أراضي القارات الأربعة، ودولة بهذه القوة وهذا النفوذ وهذا التراث الاستعماري لا يمكن أن يقبل بالبقاء في دولة الاتحاد الأوروبي التي عاصمتها بروكسل ومطبخ القرار بالتداول بين باريس وبرلين، هذا المعطى ما كان ليغيب عن "فرانسوا هولاند" الذي تألم كثيرا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حسب ما قال في أول خطاب له بعد الاستفتاء.

"فرانسوا هولاند" الذي يحاول تقليد أسلافه من "دوغول" إلى "فرانسوا ميتران" حين غامر بالدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط لم يحسب، بل لم يعر لرفض "نتانياهو" لمبادرته اهتماما، كان كثير الثقة في نفسه وفي تأثيره في نخب الاتحاد الأوروبي، كما أنه لم يفكر مجرد التفكير في تصريحات وتعليقات رئيس الحكومة البريطانية "ديفيد كامرون" الذي عرف كيف يوقفه في مكانه قبل شهر سبتمبر المقبل المفترض أن ينعقد فيه المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط في باريس التي سيكون لها شرف استلام استقالة الولايات المتحدة الأمريكية من رعاية مفاوضات السلام ورئاسة الرباعية المشرفة معها والمانحة للشعب الفلسطيني قوت يومه.

الكل في الغرب يدرك أن القضية المحورية للشرق الأوسط هي القضية الفلسطينية، والحرب التي تجري في سوريا والعراق والتي بدأت تمتد إلى أقطار الغرب لا ولن تتوقف دون إيجاد حلّ عادل للقضية الفلسطينية، يعرفون كل هذا كما يعرفون أن دولة الكيان الصهيونية هي أصل الوباء، وكل ما يجري في المنطقة بسبب هذه الدولة التي أنشأوها هم وأطاعوها هم في خلق ما سموه الإرهاب الإسلامي ابتداء من "القاعدة" في أفغانستان ثم العراق وصولا إلى "داعش" التي طورت كل وسائل القتل والتدمير، بدعمهم هم ومساعدتهم لها، والشباب الذي أعد في أقطارهم تدريبا وتكوينا بدأ يفهم اللعبة ويدرك أسبابها ودوافعها ولذلك بدءوا يعودون إلى الأقطار التي يحملون جنسياتها لينتقموا منها.

لقد آن الأوان لأن تحترق بريطانيا أولا وأوروبا ثانيا بالنار التي أوقدتاها في الشرق الأوسط منذ عام 1917.

 

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4847