ابن بطوطة يشهد عيد الفطر في مكة المكرمة
التاريخ: 8-10-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


حفلتْ مدونة رحلة أمير الجوّالين المسلمين الرحالة المغربي ابن بطوطة اللواتي الطنجي رحمه الله تعالى، التي وضع لها عنواناً فنياً مسجّعاً بديعاً هو: " تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" بأطيب وأعذب وأمتع الذكريات والمشاهدات التي عاينها وعايشها وهو في أم القرى مكة المكرمة، ومن بين تلك الذكريات والمشاهدات التي سجّلها ونقلها إلينا جزاه الله خيراً، حديثه عن بعض المناحي والمظاهر من عادات وأفراح أهل مكة المكرمة أثناء بدء مراسم ابتهاجهم بقدوم عيد الفطر المبارك .

بقلم: د. إبراهيم نويري ـــ باحث وأستاذ جامعي



 

ففي سنة 727 هجرية، كان ابن بطوطة مقيماً في مكة حيث صام بها شهر رمضان وتمتع بالصلاة في الحرم الشريف، بيت الله العتيق، ثمّ حضر وعاين مسرّات أهل مكة المكرمة وفرحهم بقدوم عيد الفطر لسنة 727 هـ، فكتب في ثنايا مدونته هذه الكلمات: " وعادتهم في شوال، وهو مفتتح أشهر الحج المعلومات، أن يوقدوا المشاعل ليلة استهلاله، ويُسرجون المصابيح والشمع على نحو فعلهم في ليلة سبع وعشرين من رمضان، وتوقد السرج في الصوامع من جميع جهاتها .. ويقيم المؤذنون ليلتهم تلك في تهليل وتكبير وتسبيح، والناس ما بين طواف وصلاة وذكر ودعاء، فإذا صلوا صلاة الصبح أخذوا في أهبة العيد، ولبسوا أحسن ثيابهم، وبادروا لأخذ مجالسهم بالحرم الشريف استعدادا لصلاة العيد"[ص 185].

وهذه العبارات مترعة بالدلالات الاجتماعية والمعاني الدينية، التي تصوّر لنا طرائق وأساليب أهل مكة المكرمة خلال القرن الثامن الهجري، في الاحتفاء بقدوم العيد والابتهاج باستكمال صوم أيام شهر رمضان المعظم، وهو توفيق من الله لعباده المؤمنين.

ويحدثنا ابن بطوطة عن نفر من المسلمين يبكّرون ليلة عيد الفطر ويبادرون إلى فتح باب الكعبة الشريفة، ويقعد كبيرهم في عتبتها وسائرهم بين يديه، إلى أن يأتي أمير مكة، فيقومون لاستقباله، أما المؤذن الزمزمي فيكون عادة فوق سطح قبة زمزم رافعاً صوته بالثناء عليه والدعاء له، ثم يأتي الخطيب فيصلي خلف المقام الكريم، ثم يصعد ويخطب خطبة بليغة، فإذا فرغ الخطيب من خطبة العيد يُقبل الناس بعضُهم على بعض بالسلام والمصافحة والدعاء بالمغفرة وتبادل عبارات التهنئة بنعمة استكمال صوم رمضان واستقبال شهر شوال، ثم يبدأون سياحتهم وزيارتهم للأقارب والجيران.[ ص 186].

إنّ حديث ابن بطوطة رحمه الله عن مكة المكرمة زادها الله تشريفاً وعن عادات أهلها، يدل على أنها سكنت شغاف قلبه، فهو يؤثرها إيثار التّبر على الترب، ولا غرابة في ذلك فهي منزل الوحي، ومنشأ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وعلى أديمها الطهور أقدم بيت وضع للناس، بيت الله الحرام.

أما حديثه عن خصوصيات ومسالك أهل مكة المكرمة في استقبال المواسم الإسلامية المشهودة، مثل رمضان والحج والعيدين، فهو ربما قمين بأن يُستخرج في مؤلف مستقل، يتكفل بنقل صور عن الماضي البعيد، وتعريف القراء والمطالعين بعادات وتقاليد أهل مكة المكرمة خلال تلك العصور، كي تدرك الأجيال المسلمة الجديدة مدى أثر القيم والتعاليم الإسلامية في سلوكيات وعادات المسلمين، وأن الزمن مهما امتد وتطاول لا يمكنه سوى التأثير في بعض الجوانب الشكلية، أما الجوهر فسوف يظلّ أبداً مصبوغاً بالصبغة الإسلامية المستندة إلى عقيدة التوحيد وإلى المرجعية الخالدة النابعة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتلك نعمة جليلة من نعم الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة المباركة الموصوفة بالخيرية والاستقامة بين أمم المعمورة.

والله وليّ التوفيق.

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4850