بنو أمية..وبوادر الابتداع!؟(1)
التاريخ: 15-10-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


حين يعمد حاكم مسلم إلى التغيير في سياسة البلد الذي يحكمه فهذا شأنه، ومن مسؤولياته، سواء كان هذا التغيير كبيرا أو صغيرا، داخليا أو خارجيا، وسواء شاور في هذا التغيير مَن حوله أو لم يشاورهم، لكن حين يطال التغيير مسائل في الجانب العبادي فهذا ليس من اختصاصاته ولا من مسؤولياته، إلا أن يكون على قدر من الاجتهاد لا يُنازَع فيه، وحينها يكون من جملة المجتهدين، الذين يَفرض عليهم فقههم أن يُدلوا بدلوهم فيما يستجدّ من وقائع أو نوازل، وإن كان مجال الفرائض العبادية محدودا، بل يكاد يكون كله توقيفيا، لا مجال للرأي فيه.



 

أخرج الإمام مسلم (2/605)عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعثٍ ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا، وكان أكثر من يتصدق النساء، ثم ينصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجتُ مخاصِرا مروان حتى أتينا المُصلّى، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرا من طين ولبن، فإذا مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه، قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا، يا أبا سعيد قد تُرك ما تعلم، قلت: كلا، والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرار، ثم انصرف".

وأخرج مسلم (1/69)عن طارق بن شهاب قال: "أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة ! فقال: قد تُرك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وعند البخاري (2/17): "...قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان -وهو أمير المدينة- في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة".

كلام أبي سعيد الخدري وطارق بن شهاب ينبئ عن سنة ماضية في صلاة العيدين: أن تُصلَّى، ثم تتبع بالخطبة، قال الحافظ ابن عبد البر في كتاب التمهيد (10/254) -بعد سياقته لروايات عديدة في هذا المجال-: " وأما تقديم الصلاة قبل الخطبة في العيدين فعلى ذلك جماعة أهل العلم، ولا خلاف في ذلك بين فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، وهو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، وعلى ذلك علماء المسلمين إلا ما كان من بني أمية في ذلك أيضا، وقد اختُلف في أول من جعل الخطبة قبل الصلاة منهم: فقيل عثمان وقيل معاوية وقيل مروان، فالله أعلم، ومن قال مروان فإنما أراد بالمدينة وهو أمير عليها لمعاوية، ولم يكن مروان ليحدث ذلك إلا عن أمر من معاوية.." !

في الحديث برواياته جملة من الملاحظات، أولاها: أن في الخبرين اللذين أخرجهما مسلم استنكار لما أقدم عليه مروان بن الحكم، مرة من قِبل راوي الخبر: أبي سعيد الخدري-الصحابي المشهور- وفي الثاني من رجل لم يُذكر اسمه، وكأنه من عامة الناس، أو من الأعراب الذين لا يتحسّبون كثيرا للمقامات، ولا يتحرّجون من إبداء آرائهم أو ملاحظاتهم في حضرة الحكام والعلماء.

الثانية: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (2/450): " وهذا يشعر بأن مروان فعل ذلك باجتهاد منه.." وهو الاجتهاد الذي لم يوافِق عليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، بل عدّ صنيع مروان من المناكر التي ينبغي المجاهرة برفضها، وذلك في تعقيبه على احتجاج الرجل: "..أما هذا فقد قضى ما عليه.." وإِتباعِ ذلك بحديث المنكر المشهور، وفي رده هو شخصيا على مروان -كما في البخاري-: "..غيرتم والله...ما أعلم والله خير مما لا أعلم..".

الثالثة: في موقف الحافظ ابن حجر ما يشي بشيء من التردّد، فبعد أن ذكر بأن موقف مروان صادر عن اجتهاد قال - وهو يعدِّد فوائد الحديث- (2/450): "وفيه إنكار العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة..." لكنه عاد وأدرج صنيع مروان في الاجتهاد فقال بعد ذلك: "..و(فيه)جواز عمل العالم بخلاف الأولى، إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى، لأن أبا سعيد حضر الخطبة ولم ينصرف، فيستدل به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها والله أعلم". ثم أورد كلاما لابن المنير فقال: "..قال ابن المنير في الحاشية: حمل أبو سعيد فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر عن ترك الأولى بما ذكره من تغيّر حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة -وهو إسماع الخطبة- أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها".




05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4855