هل هي مؤامرة جديدة على المقاومة الفلسطينية؟
التاريخ: 15-10-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


    تشهد العلاقات بين المقاومة الفلسطينية والسعودية هذه الأيام توترا غير مسبوق بعد أن صرّح تركي الفيصل الرئيس السابق للمخابرات السعودية في باريس مؤخراً أن "حركتي حماس والجهاد في غزة هما مجرّد أداتين في يد إيران لنشر الفوضى في المنطقة"، وأعطى سكوتُ الجهات الرسمية في السعودية عن تصريحات أحد مسؤوليها السابقين الانطباعَ بأنها راضية عما بدر منه باتجاه المقاومة، وأنها لا تنظر بعين الرضا إلى عدم إقدام المقاومة الفلسطينية على قطع كل أشكال العلاقة بينها وبين إيران وتنحاز إلى السعودية في صراعها المحتدم معها في السنوات الأخيرة في المنطقة.

بقلم: حسين لقرع



 

 

 

   يُعدّ تصريح فيصل التركي باتجاه حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين مؤشرا على أن السعودية كانت تنتظر أن تنحاز إليها الحركتان في صراعها مع إيران وتتخليان تماماً عن أيِّ شكلٍ من أشكال الدعم الذي تقدّمه طهران للمقاومة الفلسطينية منذ سنوات طويلة وتكتفيان بالدعم المالي لبعض الدول العربية، وحينما رفضت المقاومة الاصطفاف في هذا الصراع واتخذت موقفا حياديا، غضبت السعودية واتهمتها، على لسان مسؤولها السابق للمخابرات، بأنها "مجرد أداة في يد إيران لنشر الفوضى في المنطقة"؟!

   والواقع أن هذه التهمة خطيرة، فهي تُنقص من شأن المقاومة في غزة ضد الاحتلال الصهيوني وتعتبره مجرد "فوضى" أثارتها إيران، وليست نابعة من قناعة بضرورة الكفاح المسلح لتحرير الأقصى وكل فلسطين من النهر إلى البحر. ويبدو أن التوصيف هو الذي أثار حفيظة المقاومة فردّت حماس والجهاد وفصائل وأخرى بغزة وشخصيات وطنية بالضفة بقوة على تركي الفيصل وأكّدت في مجمل ردودها أن المقاومة في غزة وفلسطين لا تنفذ أجندة أحد، بل لها أجندتها الخاصة القائمة على السعي إلى تحرير الأقصى وكل فلسطين التاريخية، وهاجمت الفيصل بالمقابل واتهمته بتقديم خطاب يخدم الاحتلال ويعطيه الضوء الأخضر لشنّ حرب جديدة على غزة.

    والمتأمل في تهم الفيصل يلاحظ بوضوح تامّ أن الرجل يتجنّى على المقاومة دون أدلة واضحة، فكيف تكون حماس أداة في يد إيران والحال أنها لم تتردّد في الخروج من دمشق في عام 2011 رفضا لقمع الأسد، الحليف القوي لإيران، لثورة 15 مارس 2011 التي بدأت سلمية واستمرت كذلك أشهرا عديدة؟ لو كانت حماس مجرّد أداة لإيران لبقيت في سوريا ولانحازت إلى جانب نظامها ضد الثورة حفاظا على ودّ إيران ولضمان استمرار دعمها لها بالسلاح والمال، ولكنها آثرت الاستقلال بموقفها ولو أدى ذلك إلى خسارة الدعم الإيراني لها، وهو ما كاد يحدث بالفعل؛ إذ أدى خروجها من دمشق إلى برودٍ غير مسبوق في العلاقة بين حماس وإيران وتراجع دعم هذه الأخيرة لها بشكل لم يُخفَ عن أيّ متتبع.

   كما زادت العلاقة برودا وجفاءً إثر اندلاع "عاصفة الحزم" في 26 مارس 2015 ضد الحوثيين وقوات صالح باليمن؛ إذ ساندت حماس "العاصفة" دون لبس وانتقدت الانقلاب الحوثي على الشرعية، دون أن تكترث بغضب إيران عليها، ولو كانت "مجرد أداة لإيران" كما يزعم الفيصل، لساندت الانقلاب الحوثي، وعارضت "عاصفة الحزم".

   المسألة تتعلّق بتجنٍّ واضح إذن على المقاومة في غزة، هذه المقاومة التي رفضت أن تكون كالسلطة الفلسطينية في تبنّيها لمواقف مختلف الدول العربية مجاملة لها، ولو على حساب مبادئها ومواقفها الوطنية، المقاومة في غزة تصرّ على استقلاليتها وعدم تبعيتها إلى أيّ طرف في المنطقة حتى ولو كان يضمن لها السلاح والمال، فهي تستفيد من الأسلحة والصواريخ الإيرانية منذ سنوات عديدة دون أن يكون الثمن الموالاة لطهران، وتستفيد من الدعم المالي لبعض الدول العربية والإسلامية ذات التوجّه الإخواني دون أن يكون الثمن التخلي عن استقلاليتها لصالحها.

   يبقى أن نقول أخيراً إن هناك حملة مغرضة على المقاومة في غزة، ومؤامرة عليها، في ظل تصاعد الجهود السياسية هذه الأيام لإحياء ما يُسمى "عملية السلام" والمفاوضات بين الفلسطينيين والصهاينة في مصر للوصول إلى اتفاق ينهي الصراع بين الطرفين وفق مبادرة السلام العربية لعام 2002، وتخشى الأطراف التي تهاجم المقاومة وتتجنى عليها هذه الأيام أن تكون عقبة كأداء في وجه هذه المبادرة المليئة بالتنازلات الخطيرة للاحتلال وتقوم بإفشالها، ولذلك تقوم بضربات استباقية لها لتعقيدها بتهمة الولاء لإيران وأنها مجرد أداة في يدها.

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4856