الرباعية تناور
التاريخ: 15-10-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


في الأسبوع الماضي، ربما لأول مرة منذ أن جعلت هذه الرباعية مع الولايات المتحدة الأمريكية لرعاية مفاوضات السلام بين دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية التي انتهت إلى حيث أريد لها أن تكون توظيفًا قذرًا واستغلالا بشعا لها من طرف دولة العدو الصهيوني للابتزاز والاحتيال وتوسيع دائرة الاحتلال خلف حدود حزيران وجوان 1967 للقضاء النهائي على كل أمل للشعب الفلسطيني في الانعتاق والتحرر والعيش في كنف دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية حسب ما اتفق عليه العالم الذي ما زال تحت السيطرة المطلقة للقوى الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ربما لأول مرة كما سلف الذكر تنطق الرباعية المتكونة من: الأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، طبعا لابد من تميز الولايات المتحدة التي أرغمت الجميع على الانفراد بتسيير الملف كما يحلو لها، أو كما يحلو لحكومة إسرائيل ومن ورائها اللوبي الصهيوني، يعني الحركة الصهيونية العالمية التي امتدت وتمددت أذرعها خلال السنوات العشرين الماضية إلى دول عربية لا داعي لذكرها لتقنعها بالحلّ الوحيد الذي كرسته منذ تأسيسها والمتمثل في منح كل أرض فلسطين وطنا قوميا لليهود الذين يستأصلون من أوطانهم في كل أنحاء العالم، بعد تشريد كل الشعب الفلسطيني، البقية الباقية منهم في أراضيهم بعد النكبة وبعد النكسة في سجن واسع وكبير قسم إلى قسمين هم الضفة الغربية وقطاع غزة.

الأستاذ محمد الحسن أكـــيـــلال



 

 

إذن الرباعية نطقت هذه المرة، ونطقها في شكل بيان يطلب من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي التوقف:

·        بالنسبة للفلسطيني "عن العنف".

·        بالنسبة للإسرائيلي "عن مواصلة بناء المستوطنات".

 

البيان إذن يسوي بين الجاني والضحية، بين المحتل والذي فرض عليه الاحتلال، بين المستوطنين المسلحين والمواطنين العزل بين سلطة بلا سلطة منزوعة السلاح في دولة اللا دولة ودولة تتمتع بأقوى جيش في المنطقة مدججين بكل أنواع الأسلحة العصرية بما في ذلك القنابل النووية.

البيان مؤدب جدًّا في لغته، خاصة اتجاه الحكومة الصهيونية، بل تكاد لغته تــميل إلى النهي والتوسل أكثر منها إلى الأمر والتشدد، في حين تنحو هذه اللغة تجاه الفلسطينيين منحى الصرامة وهذا مألوف ومعتاد منذ أن قررت هذه الدول إنشاء دولة هذا الكيان الغريب في هذه الأرض المباركة المقدسة خدمة لأهدافهم الاستعمارية في المنطقة.

الغريب أن يأتي هذا البيان بعد بداية بروز عملية تحول كبرى في هذا الإقليم الذي يبدو أن الغرب الإمبريالي الصهيوني قرر منذ عام 1916 أن يكون ساحة للحرب العالمية الثالثة التي تجرب فيها مختلف أنواع الأسلحة التي أنتجتها مصانعهم باستثمارات وتمويل كارتلات الصناعات الحربية في الدول الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وبتمويل غير مباشر من طرف الدول العربية النفطية التي يعلم العام والخاص أنها مرغمة على الدفع في كل مرة بطريقة أو بأخرى، حفاظا على العروش والأنظمة والسيادة التي لم يعد لها من معنى عدا ألوان الأعلام التي ترفعها فوق البنايات الرسمية وفي المناسبات الوطنية.

نعم إن تحولا كبيرا بدأ في التشكل بعد أن أثبتت الأحداث أن تفكيك الاتحاد السوفييتي من طرف الغرب وإسرائيل في نهاية ثمانينيات القرن الماضي لم تحقق كل أهدافه، إذ أن ذلك الشاب الذي نشأ وترعرع في حاضنة "الكاجيبي" المدعو "بوتين" استطاع في ظرف وجيز أن يلملم الجراح ويرمم الهيكل ويفعل القوة العسكرية في دولة الاتحاد الروسي ليقول للخصوم أنه مستعد للمواجهة والتحدي بكل الوسائل بما في ذلك أسلحة التدمير الشامل.

لقبوه بــــ "الدب الأبيض" بنوع من التهكم على أنه ناقص الذكاء، ولكنهم فيما بعد عرفوا بعد سنوات التفاوض مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسنوات الدمار في العراق وسوريا أن ما خططوا له في الشرق الأوسط يحتاج إلى مراجعة جذرية، وهذه المراجعة لابد أن تشرك قوة عظمى اسمها الاتحاد الروسي وقوة إقليمية ناشئة اسمها إيران؛ وهنا تخرج المناورة من طرف الرباعية لتوحي إلى الجميع بأن لاعبا حقيقيا كان وما زال وسيبقى في المنطقة هو الدولة الصهيونية التي تحرك رئيس حكومتها في الشهر الماضي تجاه روسيا ثم تركيا ليجيب فرنسا عن مبادرتها الخجولة لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط بشكل عملي بعد أن أجابها بالتصريح الصحفي.

هم كلهم مقتنعون أن المحور الحقيقي لما يجري في كل الشرق الأوسط هو القضية الفلسطينية، ولكنهم، كما قال المناضل الفيتنامي الكبير "جياب" الاستعمار تلميذ غبي، فهم دائما مصرون على مواصلة العبث إلى أن يصلوا إلى ما وصلت إليه أولى الدول الكبرى التي كانت السباقة إلى منح فلسطين للكيان الصهيوني عام 1917، وهذه الدولة نراها في هذه الأيام مهددة بالتفكك الداخلي جراء اختلاف أمتها حول عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

ما حدث في بريطانيا العظمى هذه الأيام ينبئ بوقوع زلازل أخرى قريبا في القارة العجوز، لذلك سارع القادة بذعر شديد إلى تدارك الموقف قبل فوات الأوان، واستنجدوا بحليفتهم في "الناتو" لتنصيب الدرع الصاروخي في كل من رومانيا وبولونيا مفتعلين خطرًا قادمًا من الاتحاد الروسي، وهذا في الحقيقة محاولة لشحن مواطني الدول الأوروبية الشرقية (خاصة) التي كانت تابعة للنفوذ السوفييتي قبل تفككه وطمأنتها حتى لا تنتقل إليها عدوى الانفصال التي بدأت تتنامى في الدول الغربية بفعل تزايد نمو الحركات القومية اليمينية المتطرفة.

الغرب الرأسمالي بشقيه الأوروبي والأمريكي اقترب كثيرا من حالة الهستيريا الاستعمارية بسبب تزايد الأزمة الاقتصادية وتفاقمها وشعور القوى اليمينية بالخطر من الهجرة الجماعية بشعوب بكاملها من الشرق نحوها، فهي تخشى فعلا من ذوبانها العرقي لكونها فعلا تعاني من تناقص نسلها في بلدانها: فالحلّ إذن بالنسبة للبيض الاستعماريين هو العودة إلى الأسلوب القديم، يعني الاستعمار والسيطرة على مقدرات الشعوب في العالم الثالث.

فالإبقاء على نفوذها في الوطن العربي يمر حتما بالاحتفاظ بدولة الكيان الصهيوني وتقسيم هذا الوطن الواسع إلى دويلات تكلف بها مشيخات وعائلات عميلة للقوى الإمبريالية الرأسمالية الكبرى مثلما فعلوا في منطقة الخليج العربي وبعض دول المغرب العربي في خمسينيات القرن الماضي.

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4858