ليسوا سواء..
التاريخ: 15-10-1437 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


في الرسالة التي توجه بها السيد رئيس الجمهورية في ذكرى عيد الاستقلال والشباب 5 جويلية، لفت انتباهي في عبارة تدعو الشباب إلى عدم نسيان ما تكبده شعبنا من ويلات خلال قرن وثلث، جملة لا يستقيم معناها والخطاب الوطني والتعبير عن الهوية الجزائرية، بأبعادها الإسلامية العربية والأمازيغية، وهذه العبارة هي "فعلى شبيبتنا ألا تنسى ما تكبده شعبنا من ويلات طوال 132 سنة، تلك الويلات التي تمثلت في المجازر ومحاولات إبادة أهلنا وتجريدهم من أراضيهم وتصميم على طمس ثقافتنا ومحو هويتنا وجعلنا في خبر كان. أو ليس الأمر كذلك بالنسبة للأمويين والعباسيين". وأما العبارة فهي "أو ليس الأمر كذلك بالنسبة للأمويين والعباسيين".



وعندما رأيت أن هذه العبارة غير المعهودة في خطابات الرئيس، ولا متوافقة وموقع رئاسة الدولة والخطاب الوطني العام، قمت بزيارة لموقع الرئاسة وهو الموقع الرسمي للنصوص الصادرة عن الرئاسة؛ للإطلاع على نص الرسالة لأن النص الذي بين يدي منقول عن وكالة الأنباء الجزائرية، فوجدته غير محين، حيث كانت آخر رسالة للسيد الرئيس فيه –يوم كتابة هذه السطور- بتاريخ 21 أكتوبر 2015 بمناسبة اليوم الوطني للصحافة؛ بل وقمت باتصالات من أجل توثيق هذه المعلومة رسميا، ولكنني لم أحصل على تفسير، وبحكم أن النص منشور، فلا يسعنا إلا دعوة الفريق الرئاسي إلى توضيح هذه العبارة؛ لأنها عبارة أقل ما يقال فيها أنها تسوي بين الفرنسيين والأمويين والعباسيين، إذ عندما نقول الأمويين والعباسيين، فإننا نتكلم عن المرحلة الإسلامية ابتداء من الفتح الإسلامي..، وهذا لم يعرفه الخطاب الوطني في تاريخه الطويل، إلا في فصائل مستلبة حضاريا.

إن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا لا يمكن أن تقاس بشيء إلا بالجرائم ضد الإنسانية؛ بل إنها جرائم ارتكبت في ظل الاستعمار، وإذا استبعدنا كل الدواعي من والعداوات والأحقاد، فإن ما تدان به فرنسا من ارتكبت من جرائم في ظل الميثاق الاستعماري يكفي لتجريمها بما لا تستطيع أن توفي به اليوم...، أما الأمويون والعباسيون فكانوا بالجزائر ضمن الدولة الإسلامية الكبرى، سواء كانوا موصولين بمركز الخلافة أو مفصولين عنها إداريا، فهم في إطار دولة موحدة الهوية والثقافة والمصير السياسي - الحضاري.

هل يمكن أن يقارن الفتح الإسلامي بالغزو الفرنسي؟ 

إن هذه التسوية الخاطئة، بين الوجود الفرنسي والوجود الأموي – العباسي في الجزائر، لم تصدر عن أحد من الناس، لا في الحركة الوطنية ولا بعد الاستقلال؛ بل إن الحركة الوطنية الجامعة للقوى السياسية والثقافية الوطنية والدولة الجزائرية بعد ذلك كانت ولا زالت معتصمة بالتاريخ الإسلامي كمعصم أساس، ومحتمية به كركن ركين للمجتمع الجزائري وكدائرة انتماء رئيسة له، باعتبار أن الإسلام مقوم من المقومات الأساسية للمجتمع الجزائري، ولذلك كانت الثلاثية الخالدة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والحركة الوطنية عموما "الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا"، لازمة من لوازم الانتماء الوطني. وهذه الثلاثية تعني أن الانتماء إلى الإسلام انتماء عقدي ديني يربطنا بدائرة الأمة الإسلامية التي هي أمة واحدة {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، أما الدائرة الثانية فهي دائرة العروبة وهي ليست عرقية قاصرة على عروبة اللسان كما يتوهم البعض، وإنما هي الدائرة الوسطى بين دائرتي الأمة الإسلامية والدائرة الوطنية وهي الدائرة الأضيق ولكنها تمثل القاعدة الصلبة لما بعدها، وإلى جانب هذه الدوائر الثلاث، دوائر أخرى، لا تنفيها هذه الثلاثية التي تبلورت في إطار الحركة الوطنية خلال عشرينيات القرن الماضي وما بعده. 



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4861