بنو أمية..وبوادر الابتداع!؟(2)
التاريخ: 21-10-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


أخرج البخاري (3/55) ومسلم (2/590)- واللفظ له- عن جابر بن عبد الله " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فأُنزلت هذه الآية التي في الجمعة:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً}.



ذكرنا في الأسبوع الماضي حديثا أخرجه البخاري ومسلم مفاده: أن مروان بن الحكم هو أول من بدأ بالخُطبة قبل الصلاة في العيد-مبرِّرا صنيعه هذا بأن الناس لا يقعدون لسماع الخطبة بعد الفراغ من الصلاة- وأن أبا سعيد الخدري راوي الخبر قد استنكر على مروان فعلته، معتبرا أنها من المناكر !

وقد أوردنا على الواقعة ملاحظتين مؤداهما: أن ابن حجر أدرج ما أقدم عليه مروان بن الحكم ضمن دائرة الاجتهاد، في حين أن رواي الخبر أبا سعيد الخدري قد عدّ الفعل من المناكر !

الثالثة: قد نلاحظ أن في موقف الحافظ ابن حجر ما يشي بشيء من التردّد أو التعارض، فبعد أن ذكر بأن موقف مروان صادر عن اجتهاد قال-وهو يعدِّد فوائد الحديث-(2/450):" وفيه إنكار العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة..." لكنه عاد وأدرج صنيع مروان-مرة أخرى- في الاجتهاد فقال بعد ذلك: "..و(فيه)جواز عمل العالم بخلاف الأولى، إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى، لأن أبا سعيد حضر الخطبة ولم ينصرف، فيستدل به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها والله أعلم". ثم أورد كلاما لابن المنير فقال: "..قال ابن المنير في الحاشية: حمل أبو سعيد فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر عن ترك الأولى بما ذكره من تغيّر حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة -وهو إسماع الخطبة- أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها".

قال النووي في شرحه (6/177)- وهو يذكر فوائد الحديث-: " فيه أن الخطبة للعيد بعد الصلاة، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان المنكَر عليه واليا، وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد..." وأضاف: "... قوله: لا تأتون بخير مما أعلم: هو كما قال، لأن الذي يعلم هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يكون غيره خيرا منه؟ فكان النووي واضحا في موافقته لموقف أبي سعيد الخدري، واعتبارِ ما أقدم عليه مروان مخالفا للسنة، وإن كان ذلك لا يمنع من الصلاة مع الإمام المخالف، كما فعل أبو سعيد الخدري، وكما ذهب إلى تأكيد ذلك ابن حجر والنووي أيضا، قال الأخير-في تفسيره لكلمة: ثم انصرف المنسوبة لأبي سعيد في الحديث-: " قال القاضي(انصرف) عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وليس معناه أنه انصرف من المصلى وترك الصلاة معه، بل في رواية البخاري أنه صلى معه وكلمه في ذلك بعد الصلاة، وهذا يدل على صحة الصلاة بعد الخطبة، ولولا صحتها كذلك لما صلاها معه.." ثم أضاف: ".. واتفق أصحابنا على أنه لو قدّمها على الصلاة صحّت، ولكنه يكون تاركا للسنة مفوِّتا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يُشترط لصحة صلاة الجمعة تقدُّم خطبتها عليها، لأن خطبة الجمعة واجبة وخطبة العيد مندوبة".

الرابعة: في الحديث الذي بدأنا به المقالة أن بعض الصحابة انصرفوا في أثناء خطبة الجمعة، كما سجّل ذلك القرآن الكريم، ومعنى ذلك أن ما أقدم عليه مروان قد لا يكون حلا نهائيا لما خشي منه، فها هو فرض الجمعة، ومع ذلك انصرف كثير من الصحابة والخطيب قائم على المنبر، لمصلحة تجارية رأوها، فتقديم الخطبة لحمل الناس على الاستماع خروج بالخطبة عن حكم الاستحباب !

ولو صحّ ما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (8/124) من أن هذا الأمر إنما حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.." لمّا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقدِّم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة -كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل"- لكان فيه بعض ما يُنتصر به لصنيع مروان، لكن ابن كثير نفسه صدّر الخبر بصيغة التضعيف فقال: "ولكن هاهنا شيء ينبغي أن يعلم، وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله..."

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (2/425): " وإن ثبت قول مقاتل بن حيان الذي أخرجه أبو داود في المراسيل أن الصلاة كانت حينئذ قبل الخطبة زال الإشكال، لكنه مع شذوذه معضل..".

وينبغي أن يُعلم أيضا أن سياق كلام الحافظين غيرُ السياق الذي نحن بصدده، فهما يستشكلان أن يقع ما وقع من الصحابة في صلاة الجمعة بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما نحن فيه هو محاولة فهم صنيع مروان، وتلمّس بعض ما يمكننا الاستدلال به عليه، فلو صحّ الخبر الذي أورده الحافظان لارتفع ما أحسّا به من حرج اتجاه الصحابة الذين تركوا الخطيب قائما، لأن الخطبة كانت بعد الصلاة، لكن الحرج الذي نحس به اتجاه ما فعله مروان يبقى قائما، لأنه كان الأولى بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يُقدِّم خطبة العيدين وقد رأى ما رأى من انصراف الناس في خطبة الجمعة، وإذ لم يفعل فتغيير مَن بعده - وبعد الخلفاء الراشدين- قد لا يكون عملا صائبا، و لذلك كان إنكار أبي سعيد شديدا على مروان، بالرغم مما أبداه مروان من"اجتهاد".

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4866