أيام عصيبة في تاريخ تركيا
التاريخ: 21-10-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


   تعيش تركيا منذ 15 جويلية الجاري أياما عصيبة بعد قيام مجموعة من الضباط والجنود بمحاولة انقلابية للإطاحة بالشرعية والعودة إلى حكم العسكر. ولحسن الحظ أن الانقلاب أجهض بعد ساعات، لكن تداعياته الخطيرة ستلازم المشهد التركي أسابيع وربما أشهرا عديدة، فما حدث يوم 15 جويلية ليس بالهيّن، وكان يمكن أن يجرّ تركيا إلى حرب أهلية قاصمة لو نجح الانقلاب، ومن هنا يمكن فهم إقدام الحكومة التركية على إيقاف آلاف المشتبه بهم من جنود وضباط وعناصر أمن وقضاة وغيرهم للتحقيق معهم.

بقلم: حسين لقرع



 

 

   لم يكن أحدٌ ينتظر أن يقوم جزءٌ من الجيش التركي بمحاولة انقلابية ضد الشرعية الشعبية، فقد ساد الانطباع أن التجربة الديمقراطية التركية قد ترسّخت كما هو الحال في الدول الغربية، ولم يعد هناك مجالٌ إلا لحكم الشعب والاحتكام إلى صناديق الاقتراع لحل الخلافات السياسية وإسقاط هذا الحاكم والدفع بآخر إلى سدة الحكم، كما هو الحال في كل الديمقراطيات العريقة.

   آخرُ انقلاب شهدته تركيا كان سنة 1997 على نجم الدين أربكان، أحد معلمي أردوغان، والذي مات بعد ذلك مضطهَدا من العسكر الذين لم يسمحوا له بالحكم إلا لوقت قصير بتهم "انتمائه الإسلامي" و"تهديده لعلمانية الدولة"، بعدها صعد حزب العدالة والتنمية بقيادة طيب رجب  أردوغان إلى سدة الحكم بعد فوزه بالأغلبية في الانتخابات التشريعية لعام 2002، ومنذ ذلك الوقت وحزب أردوغان يحكم تركيا، ولم يحاول الجيش الإطاحة به لأسباب عديدة، ومنها تضرّر صورة هذا الجيش في الخارج بشكل عرقل مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، وبداية تحقيق حزب العدالة والتنمية إنجازاتٍ اقتصادية مهمة ومتسارعة مكّنت تركيا بعد سنوات قليلة من تحقيق وثبة اقتصادية عملاقة أهّلت اقتصادها لاحتلال المرتبة الـ17 عالميا.

   لقد حقق أردوغان في سنوات قليلة للشعب التركي عهدا جديدا سمته الرخاء ورغد العيش، وبنى دولة تركية متطورة تحظى بإعجاب العالم كله، ومتّن علاقاته مع دول الجوار، وخاصة الدول العربية والإسلامية، ووقف بقوة إلى جانب غزة وعارض حصارها وحاول كسره عن طريق إرسال سفينة "مرمرة" في ماي 2009...وأثار ذلك إعجاب الشعوب الإسلامية التي بدأت تشعر بأن تركيا بدأت تعود إلى جذورها الإسلامية بعد 7 عقود من الحكم الأتاتوركي العلماني الذي سلخها عن هويتها الإسلامية وجعلها دولة ذات تقاليد أوربية متحررة.

   لكن الوضع بدأ يتغيّر فجأة منذ اندلاع "الربيع العربي" في جانفي 2011، فقد أيدت تركيا الحلف الأطلسي في إسقاط القذافي بالقوة، وهو ما انجرّ عنه تحوّل ليبيا إلى دولةٍ فاشلة لا تزال تعاني آثار الانقسام والحرب الأهلية وانتشار الإرهاب والجريمة وسطوة الميليشيات إلى حد الساعة، والأدهى من ذلك أنه أيّد الثورة السورية دون حدود أو قيود، وساهم في عسكرتها ولجوئها إلى حمل السلاح لتغيير النظام القائم بالقوة، ودعمها رفقة قطر والسعودية ودول إقليمية ودولية عديدة بالمال والسلاح، وغضّ الطرف عن مرور عشرات الآلاف من المقاتلين السلفيين من مختلف أنحاء العالم عبر حدود تركيا إلى الداخل السوري لمحاربة نظام الأسد، فنجم عن ذلك كله حربٌ أهلية طاحنة خلفت مئات الآلاف من القتلى، بل إن أردوغان نفسه قدّر منذ نحو أسبوعين عددهم بـ600 ألف قتيل، وهو يقول إن هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى اختفاء سوريا من الخريطة، أي انقسامها إلى عدة دويلات وكيانات ضعيفة متناحرة على أسس طائفية وعرقية، أبغضها جميعا إلى قلب أردوغان هو الكيان الكردي الذي بدأت تتشكّل معالمه في شمال سوريا تحت مسمى "الفيدرالية" المعلنة من جانب واحد، في حين تتوسّع قوات "سوريا الديمقراطية" بمرور الأيام وتتعاظم قوتها، وهي نواة جيش هذا الكيان مستقبلاً.

   وفضلاً عن ذلك فقد تعاظم خطر "الحزب العمالي الكردستاني" في جنوب تركيا وكثف عملياته المسلحة ضد الجيش التركي، كما بدأ الإرهاب يضرب تركيا بسلسلة عمليات انتحارية كبيرة وصلت إلى 11 عملية في ظرف 6 أشهر فقط، ما وجّه ضربة موجعة لسياحتها التي تدرّ عليها 35 مليار دولار سنوياً، وهو دخل مهمّ لهذه الدولة غير النفطية. وتسبّبت هذه العمليات في تقلّص لافت للانتباه للسياح الأجانب، ويُتوقع أن لا يتجاوز دخل تركيا من السياحة في السنة الجارية 20 مليار دولار.

   ويحمّل المعارضون أردوغان مسؤولية ما يحدث من تخريب ممنهج لقطاع السياحة بسبب سياسته الخارجية اتجاه سوريا وتغاضيه عن مرور المقاتلين الأجانب إليها من كل أصقاع الأرض عبر الحدود التركية؛ فقد بدأ الإرهاب يرتدّ على تركيا نفسها ويهدّد سياحتها بالشلل، ما سيؤثر سلباً في اقتصادها.

   ويميل محللون عديدون إلى الاعتقاد بأن سياسة أردوغان الخارجية كانت أحد أسباب المحاولة الانقلابية الأخيرة، فنظريته التي اعتمدها قبل سنوات عديدة والقائمة على "صفر مشاكل مع الجيران" نُسفت تماماً منذ نحو 5 سنوات، وأصبحت تركيا تكسب باستمرار أعداء جدداً، فمن سوريا إلى العراق وإيران، إلى روسيا التي أسقطت طائرتها العسكرية في 24 نوفمبر 2015 دون ضرورة، ومع أن أردوغان استطاع مؤخرا ترميم علاقته بروسيا وإعادة الدفء إليها بعد 8 أشهر من الجفاء انقطع خلالها 5 ملايين سائح روسي عن زيارة تركيا، إلا أنه لم يتقدم خطوة باتجاه إصلاح العلاقة مع سوريا والعراق وبدرجة أقل إيران، بل الغريب أنه فاوض الصهاينة أشهرا وتوصل معهم إلى تطبيع العلاقات مجددا، وسط ذهول كبير للشعوب الإسلامية التي كانت تعلق آمالا كبيرة على أردوغان في دعم القضية الفلسطينية وغلق باب التطبيع تماما.

   ومهما يكن من أمر، فإن المحاولة الانقلابية الأخيرة لجزء من الجيش التركي ضد أردوغان، قد تدفعه إلى مراجعة جذرية لسياسته وخياراته بهدف تجنّب وقوع محاولات انقلابية أخرى في ظل الحديث عن أن الغرب هو الذي وقف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة ليوم 15 جويلية الجاري، وإذا كان الأمر كذلك، فسيكرر محاولاته مجددا، وقد تكون المحاولات القادمة أخطر وأكثر اتساعاً. والحل بالنسبة إلى أردوغان، هو استغلال الديناميكية الشعبية المنبثقة من رفض الانقلاب الأخير، والذي شمل النخبة العلمانية أيضاً، لتعزيز الجبهة الداخلية، وفي الوقت نفسه العمل على إصلاح علاقاته بدول الجوار وتعزيز الجهود الرامية إلى حل سلمي للأزمة السورية قبل أن تتسبّب فيما هو أسوأ لدول الجوار وفي مقدمتها تركيا؛ لقد تسببت "داعش" في سقوط حكومة المالكي بالعراق سنة 2014، وضربت الموسم السياحي التركي بعملياتها الانتحارية الخطيرة في قلب تركيا وربما كانت أحد أسباب المحاولة الانقلابية الأخيرة، وعلى أردوغان العمل على حلّ هذه المعضلة الكبيرة.

   يبقى أن نقول إن تعزيز الجبهة الداخلية يمرّ أيضاً عن طريق الموضوعية والعقلانية في معالجة مخلفات الانقلاب الفاشل بعيدا عن الانتقام واعتقال الآلاف وتسريح آلاف آخرين من مناصب عملهم في قطاعات عديدة، دون أدلة قاطعة على ضلوعهم في الانقلاب، وهنا لا يكفي أن ينتمي هؤلاء إلى منظمة غولن أو يتعاطفوا معها ليجدوا أنفسهم يتعرّضون للقمع والإقصاء والتهميش دون جريرة. 

   







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4867