مجتمعاتنا العربية بين التغيير والتغير...
التاريخ: 21-10-1437 هـ
الموضوع: محطات


إن من طبيعة المجتمعات الإنسانية في أي زمان ومكان، أن تؤثر عليها عوامل شتى، فتغيرها وتبدل أحوالها من أسوأ حال إلى أحسن حال أو عكس ذلك ونراها ترتد من الأحسن إلى الأسوأ، ويرى علماء الاجتماع أنه غالبا ما تكون العوامل والمؤثرات الإيجابية التي تتحول بالمجتمع من الأسوأ إلى الأحسن إرادية،

 

 

بينما تلك التي تتحول به من الأحسن إلى الأسوأ هي عوامل ومؤثرات تلقائية بمعنى أنها تحدث من تلقاء نفسها دون أن نتطلبها أو نسعى إليها، مثل الكوارث الطبيعية التي تحل بالمجتمعات من حين لآخر فتصيبها بخلل يوقف ولو إلى حين عجلة التنمية فيها، ويعرقل اضطراد نموها وازدهارها، غير أنه ليست كل العوامل السلبية هي بالضرورة تلقائية، فالحروب نحن نختارها ونتسبب فيها وننفق عليها، وهي من أهم الأسباب والمؤثرات، التي غالبا ما تصيب المجتمعات بالشلل التام، فتتوقف عجلت التنمية فيها تماما،فتعجز عن مسايرة التطور والتقدم في جل ميادين الحياة، غير أن هذا لا ينفيأن هناك فرق واضح بيت التغيير والتغير، حيث أن التغيير فعل إرادي قصدي مخطط له يقومعلى تصور مسبق لمطالب التغيير وأهدافه، نضع له الخطط، ونوفر له الوسائل والأدوات، ونبذل له الجهود والمساعي، بخلاف التغير الذي يحدث صدفة ودون وعي منا، ويفرض علينا أوضاعا ما كنا لنرضاها أو لنختارها لأنفسنا، كما هو الحال بالنسبة للمجتمع العراقي، والمجتمع السوري، والمجتمع اليمني، والمجتمع الصومالي، وشعب فلسطين السليبة، فهذه المجتمعات العربية تغيرت حالها من أحسن حال إلى أسوئها دون أن تريد ذلك أو تختاره، بل فرضت عليها تلك الأوضاع بفعل المؤامرات الخارجية فهي لمتغير نفسها ولكنها غُيِّرت قهرا من طرف الغير، فتحطمت بنيتها التحتية، وهُجّر الكثير من أبنائها، واستنزفت أموالها في تلك الحروب المصطنعة بلا مبرر، وفقدت الكثير الكثير من طاقاتها وكفاءاتها العلمية، وهذا مما يجعلها عاجزة تماما على العودة إلى ما كانت عليه من قبل من رقي وازدهار، إلا إذا تمكنت من إعادة بناء ما دمرته الحرب، ووفرت الظروف الملائمة لعودة أبنائها إليها، ليسهموا بجهودهم في نهضتها من جديد...

إن المتأمل في أحوال مجتمعاتنا العربية مشرقا ومغربا، يدرك من أول وهلة أن ما يطرأ عليها من تحولات، هو بفعل التغير لا التغيير، وذلك لأن التغيير باعتباره فعل يصدر عن الوعي التام بما نرمي إلى الوصول إليه من التغيير الذي نقوم به، وبما أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسود المنطقة لا تسر عدوا، ولا ترضي صديقا، فهي حتما وليدة التغير لا التغيير...

ومن هنا يتبين لنا بكل جلاء ووضوح، أن مجتمعاتنا العربية في المشرق والمغرب وهي وللأسف ُتغَيَّر ولا تُغَيِّر نفسها بنفسها على بصيرة وعلم بما تريد، والله تعالى يقول: " إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..."

وفي قوله الحق هذا، إشارة واضحة إلى أن المجتمعات الإنسانية مدعوة إلى تحمل مسؤولياتها قبل نفسها، وأنها إذا طمحت إلى تحسين أحوالها عليها أن تسعى لذلك وأن تعد له العدة، وأن تبذل قصارى جهدها في طلبه، وهي إن فعلت ذلك أدركت مطلوبها وحققت مرغوبها...

 



08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4868