كيف يفسر ما حدث في تركيا؟
التاريخ: 21-10-1437 هـ
الموضوع: كلمة حق


يحلل كثير من المحللين السياسيين فشل الانقلاب العسكري في المجتمع التركي الجديد، بالدفاع عن الديمقراطية، وقيم الحرية من أن ينتهكها العسكري المستبد، الذي طال جثومه على المجتمع التركي، واستبد في السيطرة على حياته السياسية والاقتصادية، فهل هذا مقنع، وكاف؟



أعتقد أن السبب الرئيس في اندفاع الشعب إلى الشوارع لمقاومة هذا الانقلاب ورفضه في وقت ينام فيه الناس ويركنون إلى الدعة والسكون من عناء العمل، إنما هو الثقة، ثقة الشعب في قيادته، التي برهنت على إخلاصها في تنمية الثروة البشرية والمادية، وأمانتها في تدبير الشؤون العامة عن علم، وحسن التدبير والإدارة، فمنذ كان أردوغان رئيسا لبلدية اسطنبول إلى أن ارتقى إلى ما ارتقى إليه، وهو يبرهن على إخلاصه في خدمة أمته، والحفاظ على ثروتها وتنميتها، وحراستها من أي نهب أو سرقة تنفذ إلى المال العام، فالثقة بين الحاكم والمحكوم والبرهنة عمليا، لا برفع الشعارات الكاذبة، هي سر استجابة الأمة لقادتها التي يثقون في تدبيرها لشؤونها تدبيرا حكيما، يؤكده الواقع الذي وصل إليه النمو الاقتصادي، وارتفاع قيمة الليرة التركية، وما سبق من انقلابات عسكرية لم يقع إفشالها، ولم يخرج الشعب لمقاومتها، كما وقع في هذا الانقلاب الأخير، مع أن الناس يرغبون في الديمقراطية، ولا يتنكرون لها، وكل البشر يحبون الحرية، بل الحيوان يأبى أن يحبس، ويرغب في أن ينطلق حيث يشاء، إلا إذا اعتاد الإنسان العبودية، واستكان إليها، وهذا خلاف ما تدعو إليه فطرته، وثبت أن حكم العسكر لم يؤد إلى أي تنمية للأمة وثروتها، وكان حكم الدكتاتورية العسكرية من أسباب تخلفها، وتدني قيمة الليرة، وفقر الناس، وتدني مرتباتهم، وضيق معيشتهم، وضنك حياتهم، وفساد إدارتهم للشأن العام، وتخلف السياسة الخارجية وضيق أفقها، وانحصار تأثيرها، وامتدادها لكسب صداقة الأمم الأخرى، وخاصة الأمة العربية الإسلامية، وانتهكت سياستهم الداخلية كرامة المواطن التركي، وحكموا بالإعدام على من ينقلبون عليه من رؤساء تركيا، فليهنأ أربكان أن تلاميذه حققوا ما كان يسعى لعمله، ووقف ضد انقلاب الجيش عليه ظلما وعدوانا.

واليوم يواجه أردوغان جماعة أخرى غير جماعة الجيش، وشهوتهم الجامحة للتسلط والانقلاب على أي سياسيين مدنيين ينتخبون، بطريقة شرعية لا تزييف في انتخابهم، واختيار الشعب لهم لتدبير أمورها العامة، تدبيرا ديمقراطيا، لا يقوم على التسلط والعنف، وخنق الحريات، كما كان يفعل أولئك الذين يحرمون من يريد من النساء أن يلبسن لباسا محتشما شرعيا يؤمننّ به في عقيدتهن، وهي حرية شخصية لا يجوز العدوان عليها وقمعها بالقانون المتعسف.

وكم نبّه المصلحون المسلمون من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وابن باديس، والكواكبي إلى خطر الاستبداد على الأمة الإسلامية التي يقوم أمرها على ولاية الأمة، وأنها مصدر الولاية، وإرادتها هي الشرعية الحقيقية، كما أن الفساد وانتشاره بطريق العنف والاستبداد، سبب هوان الأمة وضعفها، وتردي حياتها الداخلية، والخارجية، وطمع الأجانب في السيطرة عليها وعلى ثرواتها وقيمها، ولا يقل الخطر الخارجي، عن خطر الفساد الداخلي والطغيان من {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}[الفجر/11-13].

وآيات القرآن، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة في إنكار التسلط، والتفرعن، وأي طاغوت يطغى على الأمة، ويظلمها، ويضيق عليها حياتها الحرة، وتجعل الغاية العليا في الدنيا هي العدل، حتى بالنسبة للعدو {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وغاية الإنسان في سعادته في الآخرة هو أن لا يكون يبغي العلو الاستبدادي، ولا الفساد في الدنيا{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} وهؤلاء الانقلابيون العساكر المغامرون إنما همهم العلو في الأرض والتحكم في مصير الأمة ظلما، في طريقهم إلى الفساد، فساد الضمائر، وتعفين القيم الأخلاقية، وتعميق الفساد السياسي والاقتصادي.

وينبغي أن نشير إلى الديمقراطية الغربية التي تدعو إلى تطبيق القانون، ولم تُدن الانقلاب، ولا استنكرته بوضوح، وكأنها تريد أن تدافع عن الانقلابيين، ومعنى هذا أنهم لو نجح انقلابهم لرحبوا به في أنفسهم، ثم أيدوه ورحبوا به كما فعلوا في تأييد كثير من الطغاة في العالم الإسلامي العربي، والتاريخ القريب يشهد بذلك، كما نشير إلى ابتهاج الشعوب الإسلامية والعربية بفشل هذا الانقلاب، ودحره، وإذلال القائمين به، وشجاعة أردوغان وباستجابة الشعب لندائه، وتصديه للانقلابيين بكل شجاعة وجرأة.

فليكن هذا درسا للشعوب الإسلامية ولجيوشه.

 



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4873