أين العدل والإحسان في ملحمة أردوغان ؟
التاريخ: 21-10-1437 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


أيّا كانت الأسباب الظاهرة أو الخفية في الملحمة الدموية التركية، وأيا كانت المبرّرات المقدمَة للعدوان على التجربة الأردوغانية بالمحاولة الانقلابية العسكرية، فإن هذه المحاولة مُدانة، بكل لسان ومن كل إنسان .

إن إخضاع التجربة الأردوغانية للتحليل والتقييم والتقويم يجب أن يتمّ، بمنأى عن القوة والعُنف؛ لأن هذه التجربة التركية ـ بغضّ النظر عن إيجابياتها وسلبيّاتها ـ هي تجربة، جاءت عن طريق الاقتراع الشعبيّ الحُر، وقال الصندوق فيها كلمته، فلا يجب أن يتمّ إبطالُها بالقوة أو العنف.



وصول أردوغان الرئيس التركي المنتخب، كان تتويجا لإنهاء عقود من الدكتاتوريات العسكرية التي شوّهت وجه تركيا، طيلة عقود من الزمان، أُزهقت فيها أرواح، وغُيبت فيها أشباح من البشر في غياهب السجون، ولا تزال تركيا تعاني من تبعاتها ـ على أكثر من صعيد ـ ..إلى اليوم .

كان الناس ـ في عهود الانقلابات العسكرية ـ لا يدخلون تركيا إلاّ خائفين؛ لأن أبسط الحريات الإنسانية قُيدت، وكل مظاهر التديّن طُمست، والحقوق في التنظيمات الحزبية نُسخت، فسادَ وعمَّ ـ باسم الدكتاتورية العلمانية ـ جوُّ الاستبداد والفساد، وانتشر العبثُ بكرامة العباد ومُقدّرات  البلاد .

فلمّا بزغ فجر الحُريات الديمقراطية على أنقاض الاستبداد والديكتاتورية انتعشت الحياة الاقتصادية، فبرزت إلى الوجود الأنشطة السياسية، وتحولت تركيا إلى قبلة عالمية سياحية واقتصادية وتجارية، ولاح المظهر الإسلامي للمواطن والمواطنة التركية، بكل قناعة وحرية، فبطَل ما كان ممنوعا، وظهر إلى العَلن ما كان مقموعا .إنه لا يُنكر الحقائقَ إلا أعشى البصر والبصيرة، وإلاّ فاقد الانتماء للوطن والعشيرة .

وفي هذا المناخ الديمقراطي أُتيح لتجارب إسلامية أن تُزهر وتُثمر ـ كانت قد نبتت على يد المفكر والداعية  التركي المعروف بديع الزمان النورسي ـ ومن تأثروا به، ثم  من حواريي الخدمة على يد المفكر الصوفي فتح الله غولن، فالانجازات التي تحققت لتركيا ، ـ بفضل الله تعالى أولا ـ ثم بفكر النورسي وخدمة فتح الله غولن، لا يمكن أن يُنكرها إلا جاحد فضل أو فاقد عقل .

فأجيال  النورسي والخدمة وإنجازاتهم في المجال الأخلاقي والتربوي والثقافي والإعلامي ظاهرة ساطعة لكل ذي عينين؛ لذا فإن محاولة القضاء على هذه التجربة الحضارية الإسلامية كمن يحاول القضاء على الشمس وحجب أشعتها، والحيلولة دون وصول نورها إلى كل بيت .

فإذا كان الرئيس التركي المنتَخَب يقدم لنا التجربة الإسلامية "الغولنية "(فتح الله غولن) على أنها هي المدبّرة، وهي الضالعة في محاولة الانقلاب العسكري، فإن مثل هذا الاتهام قد يقلب كل الموازين، ويطرح الحيرة لدى كثيرين من الملاحظين .

هل استطاع العسكريون العلمانيون الضالعون في الانقلاب أن يتحوّلوا ـ بين عشية وضحاها ـ إلى إسلاميين، يقلبون نظام الحكم باسم الإسلام؟ .وهل في نية الانقلابيين العسكريين أن يقلبوا النظام لإقامة دولة إسلامية أو نظام إسلامي، وكيف؟ ..ونظام أردوغان لم يُدر ظهره للتعاليم الإسلامية، وخصوصا ـ وهو الذي رفع شعار الدفاع عن القضية الفلسطينية والعمل على فكّ الحصار عن المضطَهدين في غزة، وفتَحَ حدوده أمام ضحايا الحرب الظالمة في سورية الجريحة ؟.

نحن لا نملك المعطيات الكافية لتقديم الإجابات الكافية والشافية عن كل هذه الأسئلة الدقيقة والعميقة . قد يكون في مجانين العسكر الضالعين في محاولة الانقلاب الفاشلة مَن يحمل أفكارا إسلامية، وهذه في حدّ ذاتها ـ ليس تهمة، فكل الشعب التركي شعب مسلم بالغلبة، إلا  النزر اليسير ..ولذلك يجب أن نُميز بين صاحب البدلة العسكرية المعززة بالسلاح، وبين زارع الفكرة الإسلامية المبشّرة بالإصلاح والصلاح .

وأيّا كانت الهُوة التي قد تفصل بين أردوغان وغولن؛ فإنهما يلتقيان في صيانة القيّم الإسلامية الإنسانية النبيلة التي من مقاصدها إرساء دعائم العدل والإحسان، وبناء الإنسان، وإعلاء البنيان، والنأي بتركيا عن السقوط في بؤرة الغليان والفتن والشّنآن .

{ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ..}

إنه لا أحد ينكر على النظام التركي القائم  حماية نفسه، بكل وسائل العدل الممكنة، ولكن يجب الابتعاد عن الانفعال في اتخاذ الإجراءات والقرارات، والنأي بالقضاء عن اعتقال الناس بمجرد الشُبهة. وحتّى لو ثبَتَ ضلوع "الفكر الغولاني" لدى بعض العسكريين، فإن هذا ليس مبررا لغلق مؤسسات الخدمة في وجه الناشئة التركية؛ إذ يجب التمييز بين الاقتناع والضالعين في الصراع . ولنا في رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأسوة الحسنة؛ فعندما دخل مكة فاتحا لم ينتقم ممن أخرجوه وآذوه وقاتلوه، بل قال لهم كلمته الإنسانية الإسلامية الخالدة: " اذهبوا فأنتم الطلقاء "؛ ذلك أن هذه الأعداد الهائلة من المُعتَقلين العسكريين والمدنيين إنما يبيّن حجم المعارضة وفعاليتها ونجاعتها، وهو في غير صالح نظام الرئيس طيب رجب أردوغان أن يتعامل معها بهذا الشكل.

إننا أول من يدين محاولة الانقلاب العسكري ضد رئيس منتخب بالاقتراع الحر، وضد سفك دماء الأبرياء، رغبة في إفساد الاستقرار وتعطّشا للحكم، تحت أي ذريعة كانت، ولكننا قوم نؤمن أن القائد المسؤول والحاكم المأمول هو من يملك التحكّم في أعصابه وأجهزته عند الغضب، يحكم بين الناس بالعدل، حتى ولو كانوا خصومَا له، ويُتبع العدل بالإحسان مصداقا لقوله تعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} .

حمى الله تركيا من كيد الأعادي، وحصّنها من شر الأيادي وأعان حكّامها لتحقيق رفاهية واستقرار هذا القطر من أقطار الإسلام والمسلمين.



27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4874