عار العدالة الأمريكية سيبقى بعد رحيل باراك أوباما
التاريخ: 29-10-1437 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


من الواضح أن الرئيس الامريكي باراك أوباما سيغادر كرسي البيت الأبيض في مطلع السنة المقبلة دون ان يتمكن من الوفاء بعهده بغلق معتقل غوانتنامو الذي جعل من غلقه خلال عهدتيه الرئاسيتين الأولى والثانية (2008 ـ2016) محورا أساسيا في خطاباته لأنه ظل يعتبر أن: "غوانتانامو يشوه صورة الولايات المتحدة في الخارج ويهدد أمنها القومي". 



 

ففي 16نوفمبر2008 أعلن باراك أوباما أنه سيغلق معتقل غوانتانامو، ولكن ها هي السنوات تمضي والعهدتين الرئاسيتين للرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية تكاد تنقضي، ومازال معتقل غوانتنامو شاهدا على زيف الديمقراطية الأمريكية وكذب ادعاءاتها باحترام حقوق الإنسان، إذ يعتبر المراقبون أن معتقل غوانتانامو تنمحي فيه جميع القيم الإنسانية وتنعدم فيه الأخلاق ويتم معاملة المعتقلين بقساوة شديدة مما أدى إلى استنكار بعض المنظمات الحقوقية الدولية لوجود هذا المعتقل الرهيب والمطالبة بإغلاقه بشكل تام.

يقع معتقل غوانتانامو في خليج غوانتانامو بكوبا، في 23 فبراير 1903، قامت كوبا ممثلة برئيسها طوماس بتأجير الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة غوانتانامو بمقابل 2000 دولار أمريكي، في عهد الرئيس ثيودور روزفلت، كان ذلك امتنانا من الرئيس الكوبي للمساعدة التي قدمها الأمريكيون لتحرير كوبا.

وبدأت السلطات الأمريكية باستعماله في سنة 2002، وذلك لسجن من تشتبه في كونهم إرهابيين، ويعتبر السجن سلطة مطلقة لوجوده خارج الحدود الأمريكية، وذلك في أقصى جنوب شرق كوبا، وتبعد 90 ميل عن فلوريدا الأمريكية، ولا ينطبق عليه أي من قوانين حقوق الإنسان إلى الحد الذي جعل منظمة العفو الدولية تقول أن معتقل غوانتانامو الأمريكي " يمثل همجية هذا العصر" .

ففي11 جانفي2002 وصل أول سجين إلى معتقل غوانتانامو. وطوال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش خلال عهدتين رئاسيتين (2001 – 2009) زعمت الولايات المتحدة أن القاعدة العسكرية تقع خارج الأراضي الأمريكي، ما يعني بأن المعتقلين هناك غير مكفولين بالدستور الأمريكي، كما إن إطلاق صبغة "عدو مقاتل" يفضي لحرمانهم من بعض الحقوق القانونية.

وقد قال جورج ولكر بوش، في مارس 2002: " تذكروا... هؤلاء الأشخاص الموجودين في غوانتنامو قتلة لا يشاركوننا نفس القِيَم"... أيّ أن انتهاك الحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في غوانتنامو مشروع تماماً في منظار السلطات الامريكية بحجة عدم المشاركة في نفس القيم التي اختارتها أمريكا لنفسها وتتبناها أغلب فئات شعبها.

وقد وصل عدد المعتقلين في 2003 إلى حوالى 680 معتقلا، من قرابة 35 جنسية مختلفة. بعضهم اعتُقل في أفغانستان بعد غزوها من طرف قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبعضهم نُقل إلى المعتقل عن طريق الخطف غير الشرعي الذي مارسته وكالة المخابرات المركزية في مشارق الأرض ومغاربها، بإقامتها لما عرف بالسجون السرية لـ " سي آي .إي" بعد تعريض "المختطفين" لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي التقليدية والمبتكرة.

وفي سنة 2005 أصدر الرقيب الأمريكي إريك سار الذي عمل مترجما للجيش الأمريكي، كتابا تحت عنوان: "داخل الأسلاك الشائكة". قال فيه :"غوانتانامو بداية خطأ. لقد أسس لسابقة في تصنيف الأشخاص بالمحاربين الأعداء، ما جعل الحد الفاصل بين الصحيح والباطل غير واضح". معتبرا أن المعتقل لا يزال يدنس القيم التي تقاتل من أجلها الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، وأن من بين المعتقلين الـ600 في المعتقل لا يزيد عدد "الإرهابيين المتشددين" فيه عن حوالي العشرين. ومعظم المعتقلين لم يقدموا للمحاكمة طوال مدة اعتقالهم، ومن بينهم المعتقل البحريني جمعة الدوسري الذي كتب عن يومياته في المعتقل ونشرتها منظمة العفو الدولية، حيث أكد الدوسري أنّ القوات الباكستانية كانت قد باعته إلى الأمريكيين لقاء حفنة دولارات، وأنه خضع للاستجواب 600 مرّة، ووُضع في زنزانة انفرادية من دون سبب، وتعرّض لتهديدات بالقتل. كما مورست عليه سلسلة ضغوط نفسية أثناء جلسات التحقيق، بينها إجباره على الاستماع إلى موسيقى صاخبة، وتركه موثوقاً لساعات طويلة في غرفة باردة جداً دون ماء أو طعام، وتعريضه للإذلال بواسطة جندية لا ترتدي سوى ملابس داخلية، ثمّ إجباره على مشاهدة مجلات إباحية. وحتى عندما يستعمل معتقلو غوانتنامو الوسيلة الوحيدة التي يمتلكونه للاحتجاج على أوضاعهم اللا إنسانية باللجوء إلى الإضراب عن الطعام، يخضعهم حراس المعتقل للإطعام قسرا عبر الأنابيب.

وقبل حوالي أسبوعين فقط ( 14جويليه 2016) تم الإعلان عن إمكانية ترحيل المعتقل الموريتاني في سجن غوانتانامو محمد ولد صلاحي، وتنتظر أسرته إطلاق سراحه خلال الأسابيع القادمة إذا لم يقدم الكونغرس الأمريكي طعنا في قرار ترحيله خلال شهر من الحكم الذي أصدرته جلسة المراجعة الإدارية لمعتقلي غوانتانامو..وظل المعتقل الموريتاني محتجزا بلا محاكمة منذ أوت 2002 (أي طوال 14 سنة كاملة) وقد أصبح أحد أشهر المساجين في غوانتنامو بنشر مذكراته في السجن عام 2015 في كتاب تحت عنوان (مذكرات جوانتانامو) والتي وصف فيها سنوات احتجازه واستجوابه بما في ذلك التعرض لأساليب الاستجواب التي تعتبر تعذيبا على نطاق واسع. وقلصت الرقابة الأمريكية بشدة المسودة التي كانت تقع في 466 صفحة والتي سلمها لمحاميه.

وحتى بعد الإفراج عن محمد ولد صلاحي يبقى أزيد من70 معتقلا محجوزين في المعتقل الأمريكي، ولم توجه لهم أي اتهامات ولم يقدموا للمحاكمة منذ أكثر من 10 سنوات.

والمثير للعجب أن تصرف السلطات التركية بقدر من الحزم تجاه المخططين والمنفذين لمحاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف شهر جويلية 2016 جعل وزراء الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الأميركي يسارعون إلى مطالبة تركيا بـعدم التمادي في فرض النظام بعد محاولة الانقلاب وضرورة احترام سيادة القانون، وقال كيري، وفي مؤتمر صحفي عقد على هامش اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل، اعتبر أنّ "الانقلاب ليس مبرراً لإبعاد تركيا عن حكم القانون"، مشيرا إلى أن عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي تتمتع بها تركيا، تتطلب احترام الديمقراطية.

ولا يبدو السيد جون كيري ونظراؤه الأوربيون معنيون باحترام القانون في غوانتنامو أو في أوروبا، بل أن التصرف الأمريكي أصبح ـ على ما يبدوـ  مثالا ملهما لدول أوروبية ديمقراطية كفرنسا وبريطانيا، فقد طالب مؤخرا النائب الفرنسي جورج فينيك رئيس لجنة التحقيق البرلمانية في الهجمات الإرهابية التي ضربت فرنسا بإنشاء معتقل في فرنسا شبيه بمعتقل غوانتنامو للعائدين من العراق وسوريا، ولم تتردد رئيسة الحكومة البريطانية الجديدة تيريزا ماي في التصريح بأنها مستعدة لقتل مائة ألف من الأبرياء بما فيهم الأطفال والنساء باستخدام السلاح النووي دفاعا عن الأمن القومي البريطاني.

 



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4882