المؤتمر الإسلامي الجزائري.. 1/2
التاريخ: 7-11-1437 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


في الفوروم الذي أعدته جريدة المحور اليومي، إحياء للذكرى الثمانين للمؤتمر الإسلامي الجزائري، لفت انتباهي كلمة قالها السيد محمد برغام الذي قدم على أنه دبلوماسي ومجاهد وله مذكرات كتبها عن تجربته في الثورة. وهذه الكلمة هي قوله: "جمعية العلماء التي كانت تريد إلحاق الجزائر بفرنسا".



وأنا بحكم أنني لم أعرف السيد برغام، كما عرفت جمعية العلماء، وبقطع النظر عمن يكون هذا الرجل وما مستواه وما مكانته في المجتمع الجزائري، لا يسعني إلا أن أقول إن هذا الكلام الذي قاله، لا يصدر إلا عن جاهل أو حزبي متعصب حاقد، اما الجاهل فعليه أن يتعلم ليعرف، حتى لا يؤذي الآخرين، أما المتعصب الحاقد، فلا حديث عنه ولا معه؛ لأن الكفر عناد كما تقول العرب.

قد يكون السيد برغام حصَّل تعليما وله شهادات، ومع ذلك ليس عيبا أن يكون المرء دكتورا جامعيا في تخصص ما مثلا، ويجهل أمورا خارج تخصصه.

والجعل نوعان كما يقال جهل بسيط وجهل مركب..، وجهل صاحب المقولة وكاتب المذكرات، لا أظنه إلا من النوع الثاني.

وعليه لا أجدني ملزم بمناقشة ما قال السيد برغام من أن جمعية العلماء كانت تريد إلحاق الجزائر بفرنسا أم لا؟ لأن ما يصدر عن الجاهل او الحزبي المتعصب الحاقد غير قابل للنقاش، وإنما أجد الفرصة مناسبة للكلام عن المؤتمر الإسلامي لأن الكلام عنه أنفع وأفيد.

في بداية عام 1936 دعا الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، عبر جريدة "لاديفونس" للأستاذ محمد الأمين العمودي، إلى عقد مؤتمر إسلامي جزائري، بعدما علم أن النواب الذين هم في مجملهم من دعاة الاندماج، يحضرون لمشروع سيتقدمون به إلى الحكومة، وعندما دعا ابن باديس إلى هذا المؤتمر لم يدع إليه ليتقو به أو يستنصر على غيره من القوى؛ لأن الجمعية يومها كانت هي الوحيدة في الساحة التي لها صدقية وثقل ولها امتداد عبر التراب الوطني وقدرة عالية على تعبئة الجماهير فيما تدعو إليه من قيم وأعمال، وإنما كانت هذه الدعوة إلى المؤتمر مبنية على حسن الظن في كل جهد جزائري يهدف إلى تحسين وضعه المادي والمعنوي، بعيدا عن الأيديولوجيا، وفي نفس الوقت كانت الدعوة لاختراق "المشروع الاندماجي" الذي كانت تتبناه النخبة يومها، لما يحتمل من مطالب فيه تتنافى وقيم الشعب الجزائري، ومن ذلك تسمية المؤتمر نفسه "المؤتمر الإسلامي الجزائري" التي تتناقض وكل قيمة تخدم فرنسا وإن ظن الظانون أنها خير للشعب وفضل.

ولذلك كان المؤتمر الإسلامي يمثل منعرجا هاما في تاريخ الحركة الوطنية، إذ لأول مرة تلتقي فيه القوى الوطنية بقطع النظر عن توجهاتها كما قلت، وحتى نجم شمال إفريقيا الذي لم يدخل الجزائر بعد؛ بل وكان ممنوعا من النشاط في فرنسا، وقد اعتبر الدارسون للحركة الوطنية أن هذا المؤتمر يمثل خطوة عملاقة في تاريخ الجزائر؛ بل اعتبرها أحد الكتاب الفرنسيين بداية لخروج الجزائر عن المألوف في كتاب سماه "الجزائر خارج القانون".

على أن مشاركة مصالي الحاج في تجمع المؤتمر بعد عودته من فرنسا أيضا إضافة للإجماع الذي كان قبل ذلك، حيث أن حضوره في هذا التجمع فتح له مجالا أوسع لإنشاء حزب الشعب الجزائري؛ لأن حضوره يومها يعد في إطار النضال السياسي فرصة لعرض مشروعه الذي لم يدخل الجزائر بعد بالقوة التي كانت بعد سنة 1937، وليس من الصدفة أن ياتي مصالي من الباخرة مباشرة إلى الملعب الذي عقد فيه التجمع...

وأثناء ذلك التجمع لم تجد فرنسا مَنْ تتآمر عليه إلا جمعية العلماء، ولا ما تتآمر به إلا القتل، فاغتيل الشيخ كحول بن دالي مفتي العاصمة المعتمد رسميا، أثناء تجمع المؤتمر، واتهم بهذا الاغتيال واحد من أقطاب الجمعية الثلاثة، وهو الشيخ الطيب العقبي؛ بل إن واحدا من الذين شاركوا في المؤتمر تبرأ بعد ذلك من العلاقة مع "الذين هم أيديهم ملطخة بالدماء" !!

لو فتحنا خيالاتنا للتساؤل لماذا سُمِح لمصالي بالمشاركة في المؤتمر وهو ممنوع من النشاط في فرنسا؟ ولماذا اتهمت فرنسا العقبي؟ ولماذا تبرأ ذلك السياسي من الجمعية؟ ولماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ كلها أسئلة مشروعة ولا بد من إثارتها عند أهل الاختصاص، ولكن بعيدا عن الأحكام المسبقة والمواقف الحزبية المتعصبة...، والإجابة عنها توضح الكثير من الإبهامات التي بنى عليها الناس أوهاما.

يتبع



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4891