الخطر الذي يهدد العالم الإسلامي
التاريخ: 7-11-1437 هـ
الموضوع: كلمة حق


إن الذي يجعل الشباب في العالم الإسلامي يتداعى إلى الانتحار في البحار، والفرار من أوطانه، والانخراط في حركات إرهابية مظلمة عمياء، إنما هو الشعور بالإحباط واليأس، والفساد والاستبداد، وشقاء الحياة وبؤسها، فأصبح يركب قوارب الانتحار، والغرق، آملا في الأوهام التي يمكن أن تكون قوارب نجاة، وهيهات هيهات، 



إنها مغامرات واهمة، وآمال خائبة، لا تأتي بحل ولا تنقذ من شقاء، ولا تنجي من هلاك ودمار، إنه هروب إلى الموت، يحسب أنه نجاة وحياة.

فالذي يهدد العالم الإسلامي، إنما هو الفساد والاستبداد الذي نبه إلى خطره الكواكبي، وحذر من عواقبه الذي تقتل همة الأمة وتعطل طاقتها، وتزرع التخلف، وتغري الأعداء على التحكم في مصيرها، فيزداد الفساد والاستبداد، وتخطط له عوامل الاستمرار، بإيقاد نيران الفتن، وزرع ألغام التشتت والانقسام، والانفراد بالـمستبدين، ليكونوا لهم أتباعا يوهمونهم أنهم يحمدونهم لدوام سلطانهم، تغريرا بهم.

وأكبر الأخطار التي ظهرت أخيرا ابتداء من العراق وأشدها ضراوة خطر الصراع بين السنة والشيعة، وإحياء إحن قديمة، وافتعال صناعة "فرق تسد" شيمة الاستعمار قديما وحديثا، واصطنعت هذه الدول لذلك أدوات عمياء إرهابية يتهاطلون من كل أرجاء العالم، فقدوا كل الوعي، لخدمة مصالح هذه الدول، وتنفيذ أهدافها، وأمدتهم أول الأمر بالسلاح والتوجيهات فتناسلوا وانتشروا، وأعدوا أولا لـمقاومة الاتحاد السوفياتي لإنهاء الحرب الباردة وهزيمة القطب الثاني، وتمكنت الدول الكبرى من اختراق بعض الدول العربية التي أصبحت في جانب ومجتمعها في جانب آخر، كما اخترقت الأحزاب والأثنيات والمذاهب الدينية، وأصبح هؤلاء تابعين لمصادر خارج الوطن، تقودهم وتمنيهم وتعدهم وعد الشيطان، فأصبحت الأثنيات، والأعراق والمذاهب والحركات تتأجج نيرانها ليأكل بعضها بعضا، وتراجعت الدولة كما في العراق، وأصبحت القبائل والعشائر يعادي بعضها بعضا، وغابت الدولة، وجاءت الأحزاب التي تحسب أنها إسلامية كذبا وبهتانا، وشكلت مليشيات دموية تقتل من يخالفها في المذهب، وتتصارع على الحكم وشهوته، وتأخذ بزمام الفساد الذي سرى في أوساطها، واتهم بعضها بعضا بالفساد، وتفطن لذلك الشعب العراقي، وتظاهر، ولكن لا حياة لمن تنادي، شغلوه بدعوة حرب داعش، والولايات المتحدة وظفت خطر الإرهاب لتمكين هيمنتها على العالم، وانبرى برنارد لويس وأستاذه نورمان بودوهرتز Norman Podhoretz  من عتاة المحافظين الجدد الأمريكان لإعداد الحرب العالمية باعتبار أن أحداث 11سبتمبر إعلان للحرب على الولايات المتحدة، وأنه يجب مواجهة هذا العدو الإسلامي، مواجهة أقوى وأشرس مما واجهوا به العدو الشيوعي، وذلك عن طريق تحالف دولي واسع، لمواجهة عدو روحي للدفاع عن مملكة الرب، وتساءلوا عن مسألة يأجوج ومأجوج، وأن المسلمين هم الذين ظهروا في الشرق الأوسط يمثلون يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، وهذا ظهور لتنبؤات الكتاب المقدس، وسئل في ذلك أستاذ اللاهوت في جامعة لوزان وأن الشيطان هو الذي يحاربونه، وقد هيئ "عصر جديد مرعب؟ عصر حرب دينية"(1) والغرض صنع دويلات دينية إلى جانب الكيان الصهيوني، وأخرى تضمن أمن هذا الكيان وذلك ببلقنة منطقة الشرق الأوسط.

وتنبأ الأمير حسن -حفظه الله- بانقسام سوريا الكبرى بين الدروز، والمارونيين، والمتطرفين من الشيعة والسنة، مع العمل على توسع الكيان الإسرائيلي، ودعا برنار لويس إلى إعادة النظر في الشرق الأوسط، وإلى سياسة "لبننة" وإحداث فوضى من نزاعات ومن صراع الفرق المتناحرة، والقبائل، والأحزاب، والأثنيات المتنوعة، وتصبح صورة أخرى من لبنان، وشجعوا نتنياهو اليميني على أن يقطع ما يسمى "السلام الشامل" وتكون هناك دولة سنية في مكة والمدينة بمثابة الفاتيكان، كما اقترح  Peters في كتابه "حروب الدم والدين: النزاعات التي ستشكل القرن الواحد والعشرين2007 " (2)، وذلك كله باستغلال دكتاتوريات فاسدة متوحشة، ذات مؤسسات في حالة إفلاس، وعرقيات ينبغي استقطابها، وخاصة الأكراد، وأن هذه الانتفاضات ينبغي استغلالها لإعادة رسم خرائط جديدة على أساس هذه الصراعات الداخلية مما يسهل زيادة قوة الكيان الإسرائيلي ونفوذه بالاستناد إلى الأقليات العرقية والدينية في سوريا، والعراق وغيرهما، والعمل من أجل حمايتها، وتشجيع كيانها، ويصل هذا المخطط إلى مالي، والصومال، بالاستناد إلى الفروق الثقافية واللغوية، وإيجاد حدود سياسية وجغرافية مصطنعة بالقوة، للوصول إلى نهب منظم لإمكانات هذه المناطق المعدنية وغيرها من الطاقة، والثروات الأخرى، والأساس في ذلك كله إنما هو مذهبي ديني وعرقي، ومن ذلك إحداث مواجهة بين السعودية وإيران مما يصبح صراعا إقليميا في المنطقة.

وإحداث ما يسمونه "بالفوضى الخلاقة" وقد تورط بعض الساسة في العراق وإيران وسوريا في الولوغ في هذا المستنقع، وانساقوا إليه دون وعي للعواقب التي تهدّم العالم الإسلامي، ونظروا إلى مصالح جزئية وطنية ضيقة، ولم ينتبهوا إلى ما يحدث من عداوة معمقة بين أجيال المسلمين في المستقبل، وأنا لا أبرئ لا أهل السنة ولا الشيعة من الدخول في هذا الخطر الداهم، شعروا بذلك أو لم يشعروا، فتصبح إيران عدوا في نظر بعض السنة أخطر من إسرائيل كما نرى بعض الوقائع الدالة على ذلك يقوم بها بعض المسئولين عن المخابرات العربية، وما يبدونه من ود لبعض قادة الصهاينة، ويتحدثون عن إمكانية تحالف سعودي تركي إسرائيلي. إن هذا الخطر يقضي إلى قضية فلسطين التي تراجع الاهتمام بها في المؤسسات الإقليمية العربية والإسلامية كجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وما نراه فيهما من عجز وشلل يكاد يكون تاما لا حراك فيه، رغم ما يحدث من مآس، وجرائم في سوريا وغيرها، فكيف نلوم المجتمع الدولي الذي يتلاعب ويعبث، ويدعو إلى المساعدات الإنسانية ولكنه يسمح بالمجازر البشرية التي لا تتوقف وتشارك في دول في مجلس الأمن نفسه.

ألا فاعتبروا يا أولي السلطة في العالم الإسلامي.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) - أمير نور، العالم العربي على موعد من سايس بيكو جديد ص85 .

(2) - Wars of Blod and faith : the enflites that will shape the twenty first centry.

  



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4894