المؤتمر الإسلامي الجزائري.. 2/2
التاريخ: 13-11-1437 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


والذي يهم الخط الوطني العام في تقديري في دراسة تاريخنا عموما، هو الجهد السياسي الجماعي وثماره. أما الجهد السياسي في حالتنا هذه -المؤتمر الإسلامي الجزائري- هو جمع القوى السياسية والإجتماعية الجزائرية في إطار موحد لأول مرة في تاريخ الحركة الوطنية، والفضل فيه لابن باديس رحمه الله ومن ورائه إخوانه بالجمعية، أما ثماره فقد ظهر المؤتمر حقيقة بمثابة الانتفاضة التي أجبرت الجميع على الانتباه إلى قضية تسمى قضية الجزائر، وبقطع النظر عن المطالب التي كانت جزئية في عمومها، إلا أن الحراك الذي أفرزه هذا التجمع لم يعد يسمح لأي إنسان بعده أن يفكر في الجزائر خارج إطارها الطبيعي الذي قال عنه ابن باديس «الجزائر لا تريد أن تكون فرنسا، ولن تكون فرنسا ولو أرادت»، وذلك في نفس السنة التي انعقد فيها المؤتمر.



والثمرة الثانية هي أن من عناصر المؤتمر الذين فرضت عليهم المشاركة قيمة جديدة في النضال السياسي، وهي «كل القضية الجزائرية»، هم في أنفسهم تأثروا بالخطاب العام الذي تفاعلت معه الجماهير، فعباس فرحات رحمه الله مثلا أصبح يدعو إلى المطالبة بالحقوق في إطار قانون الأحوال الشخصية الإسلامية، بعدما كان يبحث عن الجزائر ولم يجدها، وكذلك عمار أوزقان الذي كان يمثل عن الحزب الشيوعي، فقد كانت نظرته للإسلام كعنصر وحدة وقوة للشعب الجزائري، وهو موقف غير معهود في الخطاب الشيوعي.. وثمرة مهمة أخرى في تقديري، وهي انطلاقة تأسيس حزب الشعب الجزائري من يوم حضور مصالي الحاج المؤتمر، لأن نجم شمال إفريقيا لم يكن له امتداد كبير في الجزائر، وفي فرنسا قد حل... وحضور مصالي في هذا اللقاء الجماهيري الكبير هو الذي أعطى الدفع الكبير للحزب الذي سيؤسس بعد أقل من عام، لا سيما وان الرجل قد التحق بالمؤتمر من المرسى مباشرة، أي نزل من الباخرة وتوجه مباشرة إلى المؤتمر، وكلمته التي كانت ترجمة شعبية لما تقرر في أدبيات ابن باديس رحمهم الله جميعا.
أعود إلى كلمة السيد برغام وأضعها في سياق محاكمة تاريخنا الوطني، بعد أن اقتطعها من موقعها الطبيعي المشار إليه «الجهل والتعصب»، وأضع عبارة «جمعية العلماء التي كانت تريد إلحاق الجزائر بفرنسا»، إلى جانب عبارة و»مصالي الحاج جاهل ومتهور»، و»عباس فرحات عميل لفرنسا»، و»عبان رمضان خائن للثورة»، و»قتل عباس لغرور وبشير شيحاني بسبب أخلاقهما الفاسدة»، والسياسيون يتآمرون على جيش التحرير، وجيش التحرير يعمل على سحق السياسيين، كل ذلك ناهيك عن الخلافات وسوء التفاهم بين أشقاء الأمس، والتصفيات الجسدية التي طالت عظماء الثورة بعد الاستقلال.
فعندما تجتمع في ذهني هذه المعاني كلها، لا يسعني إلا أن أخرج بنتيجة هي أن هذه الثورة كلها كذب في كذب.. قام بها عصابات من «الباندية» ومتآمرون فاسدون خونة لا قيمة لأحد فيهم !! وهذا هو الذي وقع بالفعل لأجيالنا اللاحقة، فالكثير من شبابنا اليوم يقرأ عن التاريخ الجزائري بهذا النفس؛ لأنه يتلقى المعلومة التاريخية مشوهة، مطبوعة بالأحقاد والأهواء والانطباعات المريضة.. فعندما يقرأ الشاب تصريحات مجاهد يقول «سألت فلان وفلان وفلان عن عباس فرحات، فقال لي كلهم انهم لا يثقون فيه» ما معنى هذا الكلام؟ بل ما معنى أنه سأل وسأل وسأل...، وما علاقة هذه الأسئلة والنتائج بمذكرات صاحبها...، إلا أن تكون مبنية على أحكام مسبقة.
عندما أقرأ مثل هذه التصريحات المتعلقة بتاريخنا الوطني وتاريخ الحركة الوطنية وثورتنا المباركة، في جرائدنا وفي مذكرات من كتبوا مذكراتهم، أشعر أن المهمة الاستعمارية الجديدة بعد الاستقلال هي تشويه كل ما يتعلق بهذه الثورة التي هزت العالم في حينها، وألا يبقى شيء جميل في هذه البلاد، فالثورة التي كانت ثورة فريدة من نوعها، لا ينبغي أن يبقى منها شيء يفخر به الجزائري.
لا شك أن تاريخ الشعوب والحركات والثورات ليس تاريخ ملائكة، وإنما هو تاريخ بشر فيه الإصابات والأخطاء؛ بل إن هناك أخطاء من طبيعة الثورة، سواء كانت أخطاء الأشخاص أو أخطاء الثورة نفسها.. فأخطاء الأشخاص لا بد من أن ينظر إليها على أنها اجتهاد في إطار المسؤولية، أما أخطاء الثورة فيمن حكمت عليهم أو نفذت فيهم الإعدام، فذلك من طبيعة الثورة؛ لأن منطق الثورة في الميدان هو القوة والضغط وإرهاب العدو ومن يقترب منه...، اما فضل المجاهد والمصلح والوطني فلا تمحوه الأمراض والأحقاد والتآمر على الأصفياء.فعندما قال الله للصحابة في احد (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)، لم يبحث الناس يومها فيمن يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، وإنما اتجه الجميع إلى أنفسهم بحثا عن مواطن الخلل فيهم، وتوجهوا إلى الله بالتوبة والاستغفار.  
إن كتابة التاريخ الوطني لا يكتبه إلا وطني، كما قال أستاذنا الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله، والوطني هو من يضع الأحداث والوقائع والأشخاص والحركات، في سياق المشروع الوطني الكبير، وفي إطار حركة التاريخ، أما تجزئة الأمور والكلام عنها ممزقة مشتتة فإنها لا تؤدي إلا إلى تمزيق الوطن وتشتيت قيمه وتعميق الأهواء والأحقاد والغرائز الحيوانية.



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4901