مـــن آداب الحـــج
التاريخ: 20-11-1437 هـ
الموضوع: معالجات إسلامية


بقلم الشيخ الدكتور/يوسف جمعة سلامة

                                                            خطيب المسجد الأقصى المبارك

                                                   وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق

www.yousefsalama.com



يستعد حجاج بيت الله الحرام للتوجه إلى مكة المكرمة لتأدية فريضة الحج، مستجيبين لدعوة أبيهم إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- عندما أمره الله سبحانه وتعالى بقوله:{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}(1)، ولـمشاهدة الأرض الـمباركة ومهبط
الوحي الذي عمَّ البلاد وليطوفوا بالكعبة الـمشرفة، ولزيارة الـمدينة المنورة على ساكنها -أفضل الصلاة والسلام- .

 إن فريضة الحج الـمقدسة هي أغلى وأسمى مناسبة في تاريخ الأمة الإسلامية ، حيث نسترجع فيها ذكريات الماضي العريق التي تعود إلى أعماق التاريخ، حين كانت مكة المكرمة وادياً قفراً غير ذي زرع، وأرضاً جرداء لا زرع فيها ولا ماء، صحراء قاحلة مُقفره ليس بها إنسان أو طير أو حيوان، يأتي أبو الأنبياء إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – ليقوم برفع قواعد الكعبة المشرفة في هذا المكان المُقفر، لكنّ معجزة الواحد القهار الذي يقول للشيء كُنْ فيكون تُغَيِّر ملامح المكان، فبعد أن أمر الله سبحانه وتعالى أبا الأنبياء إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- أن يُؤذن في الناس بالحج، وأصبحت أفواج الحجيج تُقبل من كل حدب وصوب إلى هذه الأرض المقفره، لتتحول إلى أرض النور والبركات والطهر.

إن الحج مؤتمر عالمي يتلاقى فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فتنصهر الأخوة الإسلامية وتذوب في حرارتها النزعات القومية، وفي الحج يتجلّى معنى الوحدة الإنسانية، وتتجلى المساواة في أقوى صورها فلا عنصرية ولا عصبية للون أو جنس، ها قد جاء ضيوف الرحمن من كل حدب وصوب ليعلنوا للبشرية جمعاء بصوت واحد وعلى مستوى واحد وصعيد واحد، أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، جاءوا إلى مكة المكرمة ليتساووا على صعيد الحج، لا فرق بين أبيض وأسود وكبير وصغير وغني وفقير، لباسهم واحد وتوجههم واحد وصوتهم واحد، فتتحد الألسنة وتتآلف القلوب وتخرج الإجابة من حناجر صادقة وأفواه طاهرة:  (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

 أخي الحاج: إذا أردتَ أخي الحاج أن يكون حجك مبروراً ليصدق عليه قول الرسول الأكرم – صلى الله عليه وسلم- (الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ)(2)، فعليك أن تتأدب بآداب الحج وواجباته وهي كثيرة، وحسبك أن نذكر منها:

1- الإخلاص لله تعالى:

وهو أساس قبول الأعمال، فالله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، فلا ينبغي لك وأنتَ تمتثل أمرَ ربك وتحرص على طاعته، أن يكون حجك لغرض الدنيا، بل اجعله خالصاً لوجهه الكريم، امتثالاً لقوله تعالى:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ}(3).

2- التوبة إلى الله تعالى:

يجب على كل مسلم بصفة عامة ومن نوى الحج أو العمرة بصفة خاصة، أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من جميع المعاصي والآثام، لقوله تعالى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(4)، فنحن بشرٌ نُخَطئ وَنُصيب، للحديث: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ)(5).

 ومن فضل الله سبحانه وتعالى علينا أن فتح باب التوبة على مصراعيه لكل أوّاب، فهو يغفر الذنوب جميعاً، كما في قوله سبحانه وتعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(6).

3- قضاء الديون:

عليك أخي الحاج قبل أن تبرح دارك وتذهب إلى ضيافة الله، ألاّ تحمل على ظهرك أثقالاً، فاقض دينك، وأعطِ كل ذي حق حقه، وإذا كان عندك وديعة فسلّمها لأصحابها، لتبرأَ ذمتك قبل توجهك لأداء الحج، لقوله تعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}(7).

4- الوصية:

 من السنّة كتابة الوصية قبل سفرك لأداء الحج والعمرة، فاكتب وصيتك وأَشهِد عليها، فقد جاء في الحديث الشريف: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)(8)، كما يجب عليك أن تُوصِي أهلك بتقوى الله، والسير على هدى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم- .

5- ردُّ المظالم:

يجب على الإنسان أن يؤدي الحقوق لأصحابها، فحقوق العباد تنتهي بردّ الحقوق لأهلها، أو بالإبراء (وهي المسامحة القلبية الصادقة)، لذلك إن كان لأحد عندك مظلمة، فلا تسافرْ قبل أن تُبَرِّئ ذمتك منها، فإن كنتَ ظلمتَه في مالٍ فردّه إليه، وإن كنتَ ظلمتَه في عرضه من غيبة ونحوها فاستبرئه منها، واستغفر الله لنفسك ولأصحاب الحقوق عليك.

6- تعلم أحكام الحج والعمرة:

 عليك أخي الحاج أن تتعلم مناسك الحج والعمرة، فالحج فريضة كالصلاة والصيام والزكاة، لابُدَّ من معرفة أحكامه الشرعية بالتفصيل، حتى تؤدي هذه الشعيرة كما أداها رسولنا– صلى الله عليه وسلم-، القائل: ( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ)(9). 

7- حِلُّ المال:

ويجب أن تكون النفقة من المال الحلال الطيب حتى يقبل الله حجك أو عمرتك، لما ورد في الحديث الشريف: (الرَّجُل يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّماءِ يا رَبُّ.. يا رَبُّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ)(10)، ولقوله – صلى الله عليه وسلم - أيضاً: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلالٌ، وَحَجُّكُ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ)(11)، فعليك أن يكون حجك من مال حلال، لأن الله طيب لا يقبل إلاّ طيباً.

8- وداع الأهل والأحبة:

 وعليك أن تودع أهلك وجيرانك وأحبابك قبل سفرك، وأن تقول لهم عند سفرك ما ورد عن نبينا – صلى الله عليه وسلم - : ( أسْتَوْدِعُكم اللهَ الذِي لا تَضِيعُ وَدَائِعُه)(12)، وعليك أن تعدّ نفقة من تلزمك نفقته عن مدة غيابك حتى ترجع إليهم، كما يستحب صلاة ركعتين في منزلك قبل سفرك، لما ورد أن رسول الله  – صلى الله عليه وسلم -  قال: (مَا خَلَفَ أحدٌ أَهْلَهُ أفَضَل مِنْ رَكْعَتَيْن رَكَعَهُمَا عِنْدَهُم حين يُرِيْدُ السَّفَر) (13).

9- الرفيق الصالح:

وعليك أن تلتمس لرحلتك رفيقاً تنتفع بصحبته، فيعينك على مشقة السفر وَيُذَكِّرك بطاعة الله، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ)(14)، ولقوله – صلى الله عليه وسلم - أيضاً: (لا تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ)(15).

10- الدعاء:

عليك أن تُكثر من التسبيح والتكبير والتلبية والدعاء خصوصاً عند تَغيُّر الأحوال، من هبوط أو صعود أو إقبال في ليل أو نهار، والأفضل الدعاء الوارد، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: (الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ)(16).

نسأل الله تعالى للحجاج الكرام حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، وتجارة لن تبور.

تقبل الله منا ومنكم الطاعات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الهوامش :  

1- سورة الحج الآية (27).    

2-  أخرجه الشيخان.                                  

3- سورة الزمر، الآية (2).                    

4- سورة النور، الآية (31). 

5- أخرجه مسلم.                              

6- سورة الزمر، الآية (53).                 

7- سورة النساء، الآية (58).       

8- أخرجه مسلم.                              

9- أخرجه مسلم.                             

10- أخرجه مسلم.          

11- أخرجه الطبراني في الأوسط.                     

12- أخرجه ابن السني.                       

13- أخرجه الطبراني.  

14-  أخرجه الترمذي.                                        

15- أخرجه الترمذي.                                 

16- أخرجه النسائي.  



23



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4905