بنو أمية..في الأحاديث النبوية!(2)
التاريخ: 20-11-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


إذا رجعنا-قبل ذلك- إلى أسانيد هذا الحديث -للوقوف على الصناعة الإسنادية فيه- نجد فيه حديث الإمام أحمد عن إسماعيل بن عيّاش عن الأوزاعي عن سعيد بن المسيّب عن عمر رضي الله عنه، فابن عيّاش في ميزان الجرح والتعديل غاية ما أُخذ عنه -كما دافع عن ذلك ابن حجر في وجه ابن حبان-سوء حفظه عن غير الشاميين، وهذا من حديثه عنهم - إذ الأوزاعي شامي- الذي أقروا له فيه بالإتقان، قال الحافظ ابن حجر في كتاب القول المسدّد في الذبّ عن المسند(12): " قول ابن حبان إنه باطل دعوى لا برهان عليها، وأتى بدليل يشهد لها، وقوله: إن رسول الله صلى الله عليه لم يقله ولا عمر ولا سعيد ولا الزهري: شهادة نفي صدرت عن غير استقراء تام -على ما سنبينه- فهي مردودة، وكلامه في إسماعيل بن عياش غير مقبول كله، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين عند الجمهور قوية، وهذا منها".  



وبقية الإسناد ثقات، لكن يبدو أن هناك كلاما في اتصال ما بين ابن المسيب وعمر، قال الإمام الدارقطني في كتاب العلل (2/159): " يرويه الأوزاعي: واختُلف عنه، فرواه إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن الزهري عن ابن المسيب عن عمر، وغيره يرويه عن الأوزاعي، ولا يذكر فيه عن عمر، وهو الصواب". وهذا معناه أن الحديث مرسل، والمرسل ضعيف باتفاق المحدثين.

وقال الحافظ ابن حجر في الكتاب السابق-في سياق رده على دعوى البطلان التي أطلقها ابن حبان وتقويته للحديث-: "وأما من تابع إسماعيل عن الأوزاعي: فقد رواه عن الأوزاعي أيضا: الوليد بن مسلم الدمشقي، وبشر بن بكر التنيسي، والهقل بن زياد كاتب الأوزاعي، ومحمد بن كثير، لكنهم أرسلوه، فلم يذكروا فيه عمر..".

وقال ابن حجر أيضا في نهاية المبحث: "وغاية ما ظهر في طريق إسماعيل بن عياش من العلة أنّ ذكر عمر فيه لم يتابع عليه، والظاهر أنه من رواية أم سلمة، لإطباق معمر والزبيدي عن الزهري وبشر بن بكر والوليد بن مسلم عن الأوزاعي على عدم ذكر عمر فيه، والله أعلم".

قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الحديث في مسند الإمام أحمد (1-212-213): " إسناده ضعيف لانقطاعه، سعيد بن المسيب لم يدرك عمر إلا صغيرا، فروايته عنه مرسلة -إلا رواية صرّح فيها أنه يذكر فيها يوم نعي عمر النعمان بن مقرن على المنبر-ثم إن ذكر عمر في الإسناد خطأ، لعله من ابن عياش، وهو إسماعيل بن عياش، قال الحافظ في القول المسدد: وغاية ما ظهر في طريق إسماعيل بن عياش من العلة أن ذكر عمر فيه لم يتابع عليه..

وعند قول الحافظ: " والظاهر أنه من رواية أم سلمة.." عقّب الشيخ أحمد شاكر بالقول: "وهذا أيضا ليس بشيء، لأني لم أجد في الروايات التى ذكرها الحافظ أن ابن المسيّب روى هذا الحديث عن أم سلمة، فإن كل الروايات عن ابن أم المسيب: (ولد لأخي أم سلمة)..إلخ ليس فيها (عن أم سلمة)".

 وكرّر ابن حجر ما قاله في القول المسدد في الفتح (10/580) فقال: "...فإن إسماعيل لم ينفرد به، وعلى تقدير انفراده فإنما انفرد بزيادة عمر في الإسناد، وإلا فأصله كما ذكرت عند الوليد وغيره من أصحاب الأوزاعي عنه، وعند معمر وغيره من أصحاب الزهري، فإن كان سعيد بن المسيب تلقاه عن أم سلمة فهو على شرط الصحيح، ويؤيد ذلك أن له شاهدا عن أم سلمة أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث من رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو عن عطاء عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد..."

فأضاف مسألتين، أولاهما قوله: "فإن كان سعيد بن المسيب تلقاه عن أم سلمة فهو على شرط الصحيح" وهو تعليق نظري نسفه الشيخ شاكر بالقول: " لم أجد في الروايات التى ذكرها الحافظ أن ابن المسيّب روى هذا الحديث عن أم سلمة.."

والثانية: إيراده للشاهد الذي أخرجه الحربي في غريب الحديث عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عنه في القول المسدد: "وهذا إسناد حسن" وهو الشاهد الذي لم يرد في كلام الشيخ أحمد شاكر، وهذا الشاهد الذي أورده الحافظ وغيره فيه ابن إسحاق، وهو هو مدلِّس، وقد عنعنه عن محمد بن عمرو، ويبدو أنه من أجله وأجل محمد بن عمرو اكتفى بتحسينه؟

ويبدو أن سعي ابن حجر-من خلال تتبعه لأسانيد الحديث وشواهده- ليس من أجل تصحيح الحديث، وإنما غرضه الردّ على ابن حبان في دعوى الوضع التي أطلقها على الحديث، وإثبات أنّ له أصلا ! قال في القول المسدد(15): "... وبدون هذا (أي بدون الشاهد الذي أورده، إن لم يكن في الكلام تحريف أو زيادة) يُعلم بطلان شهادة ابن حبان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله، ولا سعيد بن المسيب حدث به، ولا الزهري ولا الأوزاعي..." وهو ما أشار إليه الشيخ أحمد شاكر بالقول: "..وقد أطال الحافظ ابن حجر الردّ عليه لإثبات أن له أصلا..."

وأما حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة الذي أخرجه الحاكم -وصححه- فيبدو أنهم لم يلتفتوا إليه، ويبدو أن السبب هو ما بيّنه الحافظ ابن حجر بقوله في كتاب القول المسدّد (15): "... وأما رواية نعيم بن حماد له عن الوليد بذكر أبي هريرة فيه فشاذة".

وقال في الفتح (10/581): "... وعندي أن ذكر أبي هريرة فيه من أوهام نعيم بن حماد والله أعلم".

 

 

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4906