البيِّنة و القسم..أو الظاهر الذي لا يستثني أحدا
التاريخ: 22-12-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


يعتقد الكثيرون منا أن العهد النبوي كان يشعّ بنوره على كل فرد رأى النبي صلى الله عليه و سلم، أو جلس إليه-طاعة و التزاما- و ليس الأمر كذلك، ففي الصحابة البدري، و فيهم من أسلم قبل الفتح  وبعده، و فيهم البدوي الذي تغلبه طباعه على ما سمع أو تعلّم،، و مَن لم يتشرّف بالجلوس إليه إلا لماما، و لذلك اتفق العلماء على أن الصحابة في جملتهم عدول، و قد يكون بعض أفراد التابعين أفضل منهم، بدليل أن بعض الوقائع أنبأت عن مخالفات في التعامل، لا تزال تتكرّر بنفس ألفاظ التخاصم فيها إلى يوم الناس هذا.



أخرج الإمام مسلم(1/123)عن علقمة بن وائل(هو ابن حجر) عن أبيه قال:"جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إنّ هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء، فقال: ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: أما لئن حلف على ماله-لِيأكله ظلما-ليلقين الله وهو عنه معرض." قال الإمام الترمذي(3/617) بعد إخراجه:".. وفي الباب عن عمر وابن عباس وعبد الله ابن عمرو، والأشعث بن قيس.."

وأخرج البخاري(3/121) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على يمين وهو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، قال: فقال الأشعث: فيّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قلت: لا، قال: فقال لليهودي: احلف، قال: قلت: يا رسول الله، إذا يحلف ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] إلى آخر الآية."و قد أخرجه البخاري في أكثر من باب،  و في بعض ألفاظ الخصمين اختلاف شرحه الحافظ ابن حجر في الفتح(11/560)

قال الترمذي(3/618)-بعد إخراجه لحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المُدّعَى عليه"-:" هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه."و عند البيهقي في معرفة السنن و الآثار(14/350)"البينة على المُدّعي واليمين على مَن أنكر."

هذا الأصل معروف عندهم، و لا يزال معمولا به إلى اليوم، و لسنا نخوض فيه لنعرض مذاهب القوم في القضاء به، و إنما الغرض هو الإشارة إلى أمور في الحديث-قد لا يعرض لها الشرّاح، و يعنينا الوقوف عليها-و أقدِّر أنها مهمة، أولها: أن من العصاة مَن لا يردعهم وعيد، و هؤلاء لا يخلو منهم عصر و لا مصر، بل إن الواقعة-سواء تعددت أو كانت واحدة-تنبئ أن هؤلاء لم يمنعهم وجود النبي صلى الله عليه و سلم بين ظهرانيهم، أن يجترحوا ما اجترحوه من إثم، و أن يحلفوا على باطل ليأكلوا به حقا ليس لهم، غاية الأمر في الفرق بين العصور الأولى و بين عصرنا أن الجنوح نحو هذا العصيان قد تنامى، و يوشك أن يلامس الجحود و التمرّد، و قد يُلحظ مزاج التمرّد هذا في التعبير، فحين طولب المدّعَى عليه بالحلف قال المدعي: "إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورّع من شيء" و في الرواية الأخرى-مع الخصم اليهودي-قال المدّعي:" إذا يحلف  ويذهب بمالي" في إشارة إلى استسهال الحلف على باطل، و هو ما يعبَّر عنه اليوم في الأمثلة الدارجة حين قيل للكاذب احلف، فقال-أي في نفسه-: جاء الفرَج ! و يلاحظ أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يعنِّف المدعي على النعوت التي أطلقها على خصمه.

الأمر الثاني: هو أن اليهودي خوطب بما خوطب به المسلم، و لم يُخصّ بإجراء يتعلّق بديانته، صحيح أن هناك أمورا أخرى يتميّز بها أحدهما عن الآخر، لكن اللافت أنه اكتُفي من اليهودي بالحلف، بالرغم من أجواء العداوة التي تخيم على الطرفين، جاء في مرقاة المفاتيح لعلي القاري(6/2447):" فيه دليل على أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم"

الأمر الثالث: ما حدث في هذه الواقعة يؤكِّد أصل التعامل بالظاهر، حتى من قِبل النبي صلى الله عليه  وسلم، و هو ما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري(9/25) و ومسلم(3/1337):"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار."

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4927