التطبيع عن طريق الجيل الثاني
التاريخ: 22-12-1437 هـ
الموضوع: تاريخ و حضارة


لا يعنيني المعنى الذي قصده أصحاب مشروع الجيل الثاني، بهذا المصطلح، فالمعنى مبهم رغم كثافة التفسيرات التي ساقها القوم منذ بَشَّرُونا بمشروعهم التنويري المشبوه، لكنني سأسوق تفسيراً رأيت أنه الأقرب لما يريد القوم  لهذه البلاد، فالتفسير الذي أراه مناسباً لمعنى هذا المصطلح، هو أن المقصود بالجيل الثاني، الجيل الذي لا يرتبط بأي معنى من معاني دولة الاستقلال، التي انفصلت عن دولة الاحتلال، بثورة عارمة فاجأت العالم، وألقت إعجاب كلّ الشرفاء، لذا جاء الجيل الأول بعد الاستقلال، جيل مسكون بثقافة الانتصار، وحب الذات والدفاع عن القيم الحضارية، رغم الإمكانات البسيطة التي كان يملكها غداة الاستقلال، كان من الصعب بمكان مسخ هذا الجيل، وتشكيل وعيه بعيداً عن تلك القيم الذي رسخ معالمها مشروع جمعية العلماء المسلمين، والحركة الوطنية الجزائرية، لقد كانت اللغة الفرنسية حاضرة بقوة في الواقع الثقافي الجزائري، وكان بالإمكان استغلال هذا الوضع، لفرض الثقافة الفرنسية على حساب ثقافة الأمة، التي لم تكن موجودة بالقدر الذي يجعلها ناسخة للغة فرضت على الشعب لأكثر من قرن من الزمن، لكن الذين تسلموا زمام القيادة الثقافية، والذين يرتبطون بالمجال الثقافي الفرنسي ايدلوجيا، لم تتح لهم الفرصة لتكريس هذا الواقع، وظلّ الصراع الثقافي في الجزائري بين شدّ وجذب، ورغم المكائد والدسائس، فإنّ القوم فشلوا في أن يفرضوا ثقافة الاستعمار، ورأوا بأعينهم كيف تسربت الثقافة الأصيلة إلى الواقع الثقافي الجزائري رغم حربهم لها، وأصبحت العربية لغة التعليم في أغلب المراحل التعليمية، وانحسر الاستخدام الفج للغة المستعمر، وساعد ذلك ظهور الحركة الإسلامية الأصيلة التي عملت على انتشار اللغة العربية والسعي لاستعمالها باعتبارها لغة الدين، وتغير الواقع الثقافي في الجزائر، لكن خُدَّام مشروع فرنسا لم ييأسوا في النّضال من أجل مشروعهم الخبيث، وظلوا يمارسون نضالهم رغم أنّهم قلّة قليلة إلاّ أنهم يتحكمون في أكثر مفاصل الدولة الجزائرية.



واليوم ومع التحولات الجديدة التي ظهرت في العالم، أصبح المجال أكثر قابلية لإعادة توظيف خطاب الحداثة والتنوير الناسخ لخطاب الأصالة والذات، يحاول القوم إعادة الكرَّة مرة ثانية، لكن بروح استئصالية شرسة، ومشروع الجيل الثاني يقرأ في هذا الإطار، وهو بناء الجيل المفصول عن الذات الحضارية، والمخالف لذلك الجيل القديم الذي تشكَّل مع بروز الدولة الوطنية. هذا الجيل (الثاني) هو المعول عليه في إفشال ما تبقى من الدولة الجزائرية الوطنية. والله المستعان.

 

 



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4930