أوباما.. يَتَوَسَّلُ
التاريخ: 4-1-1438 هـ
الموضوع: قضايا وآراء


الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت في هذه الأيام، والتي حظرها العديد من رؤساء الدول والحكومات وعلى رأسهم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "باراك أوباما" الذي ستكون هذه الدورة آخر دورة للجمعية العامة في عهدته الرئاسية التي ستنتهي في شهر نوفمبر المقبل.



الدورة حضرها أيضا رئيس وزراء الكيان الصهيوني الذي برمج لقاء مع الرئيس الأمريكي لشكره على كل الدعم الذي قدمه لدولته وشعبه وصبره على كل الأذى الذي ألحقه به بالإهانات والاستفزازات المتكررة له من قبل.

 

الكثير من المتتبعين لاحظوا أن ما استفادته الدولة العبرية من الإدارة الأمريكية خلال عهدتي "أوباما" لم يسبق لها أن نالتها من قبل خلال كل عهدات الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك لم يجد الرئيس الأمريكي الذي سيغادر البيت الأبيض في الأيام القادمة من مكافأة من طرف الدولة العبرية ورئيس حكومته "نتانياهو" سوى بعض كلمات الشكر التي  لاشك سينطق بها أمامه بنفاق دبلوماسي لا أثر فيه للصدق الذي يمكن أن يشعر به "أوباما" من خلال نبرات الصوت؛ كان "أوباما" ينتظر من "نتانياهو" أن يستجيب لطلباته المتكررة لإيقاف الأسباب التي عرقلت مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، ولو بأضعف الإيمان كتجميد عملية بناء المستوطنات حفاظا على ماء وجه السيد "محمود عباس" والسلطة الفلسطينية أمام شعبها وقيادات الفصائل المناوئة لهذه المفاوضات، وهكذا فقد كان خطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العامة فيما يتعلق بقضية فلسطين عبارة عن توسلات وتكرار تخوف عن مستقبل دولة إسرائيل إذا استمرت في رعونتها وعدم اهتمامها بما يقال أو بالمطالب الشرعية للشعب الفلسطيني، ومواصلتها عمليات الإعدام وهدم ومصادرة بيوت وممتلكات المواطنين الفلسطينيين لبناء المستوطنات عليها لأنها تعلم يقينا أنها هي التي تسيطر على العالم من خلال التحكم في الإدارة والكونغرس الأمريكي بواسطة اللّوبي الصهيوني في أمريكا.

 

المؤكد أن "نتانياهو" وهو المعروف لدى شعبه وكل يهود العالم تطرفه وتعنته ونرجسيته وهو يقرر حضور الدورة الـــ 71 للجمعية العامة للأمم المتحدة قد وضع نصب عينيه ما سيحققه في هذا الحضور من شعبية لدى اليمين المتطرف في إسرائيل ولدى غلاة الصهيونية في أمريكا والدول الغربية الرأسمالية وخاصة حين يستمعون إلى توسلات الرئيس الأمريكي والرئيس المصري الفريق "السيسي" والأمير القطري ثم يستمعون إلى خطابه هو وهو يرافع مكابرا ومتفاخرا رادّا على خطب هؤلاء بنفس الحجج التي تكررها دولته منذ إنشائها وهي الحجج التي أصبحت لا تقنع إلاّ اليهود الصهاينة المتطرفين مثله، ومع ذلك فهو يحسب الحسابات للداخل أكثر منها للخارج لأنه فعلا ينتظر الكثير مما ستؤول إليها الأوضاع في المنطقة. وكل المؤشرات تمنحه التفاؤل بمستقبل زاهر لدولته، وخاصة عندما تتربع على عرش كل منطقة الشرق الأوسط وهي الدولة الوحيدة الأقوى اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا وأمنيا، وبوادر خضوع باقي الدول المجاورة التي لم تمسسها نار الفتنة بادية للعيان.

في هذه الدورة الــ 71 للجمعية العامة كان خطاب السيد "محمود عباس" قويا وبليغا اعتمد فيه العقل والمنطق أكثر من الأساليب الأخرى كالعاطفة والأخلاق، وهو محق ما دام المجتمع الدولي قد أصابته نوبة جفاف للقلوب والضمائر وخاصة وهم يستمعون إلى خطاب "نتانياهو" المتبجح دون مقاطعة وقد تابعوا في الأخبار قيام حكومته بتنفيذ قرار هدم أكثر من 18 منزلا فلسطينيا في القدس الشرقية لبناء وتوسيع مستوطنات على أنقاضها، واكتفت دول الرباعية الأربعة رفعا للحرج بإصدار بيان تعلن فيه استنكارها ورفضها للعملية برمتها.

كارثة الكوارث في كل ما يجري هي مواقف الدول العربية المعتدلة التي راهنت وما تزال على مبادرتها السلمية التي مزقتها إسرائيل منذ صدورها وداست عليها؛ إسرائيل كانت منذ تأسيسها تصور نفسها الضحية أمام أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، في حين أصبح العرب بعد اتفاقية "كامب ديفيد" والمبادرة العربية للسلام يعتبرون أنفسهم جميعا وقلوبهم شتى، فهم للأسف الآن قد استمرؤوا موقف ومنطق الدولة العبرية وبدءوا فعلا يتراجعون إلى الخلف كلما طرحت القضية الفلسطينية أمامهم وكأنها لا تعنيهم.

لقد طلب السيد "محمود عباس" في كلمته الحماية الدولية من الاحتلال كما تحدث عن طلب يرفعه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يمنع إسرائيل من تهديم منازل الفلسطينيين وبناء المستوطنات فتفاجأ الجميع بخبر عدم تشجع أعضاء مجلس الأمن بهذا الطلب.

إسرائيل تعتبر نفسها مشاركة في حرب في المنطقة التي تعتبر فلسطين جزء لا يتجزأ منها، وهي تعلم علم اليقين أن لا نظام ولا دولة في الوقت الراهن تفكر في إيقافها عما تفعل فيها طالما أن سوريا والعراق تتعرضان لأعمال أشنع بكثير مما يحدث في فلسطين، والدمار والقتل الذي تمارسه هي لا يقارن بما يحدث في القطرين الشقيقين، والمعارضة السورية من تأليف وطباعة الولايات المتحدة الأمريكية التي تغذي وتعيل وتربي الدولة الصهيونية. أما العرب فعربان في نظر الدولة الصهيونية، العرب الحقيقيون وهم سكان شبه الجزيرة العربية، وعرب غير حقيقيين كما تقول تاريخيا.

الشعب الفلسطيني وحده هو الذي يعرف ما يفعل.    







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4938