حلب: قُمة السقوط في الجريمة
التاريخ: 4-1-1438 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


تقزمت معاجم الحروف، وتعطلت لغة الكلام، وتبددت مفاهيم القيم على ركام العمارات والبنايات المتناثرة في مختلف أرجاء حلب الشهباء، التي تحولت إلى دكناء، وإلى حمراء.

فأنين المعذبين، من رضّع، وركّع، وهم يبعثون بأصوات متقطعة، تعلو إلى عنان السماء، تشكو همجية الغرباء، وخيانة الأقرباء، إن هذا الأنين المنبعث من تحت الأنقاض، ليمثل لعنة على هؤلاء الذين يبعثون بأنكى الصواريخ على الحي والميت، وعلى الذين وطنوا لهم أكناف البيت، وعلى الذين وفروا لهم الطاقة والزيت.



فعندما يمتزج مبدأ الجاحد بالعابد في القضاء على جبهة المساجد، وعندما يلتقي الملحد الكافر، بالسوري الفاجر، على إبادة الوطني الثائر بأمر من الظالم الغادر، والفاسق الفاجر أيقن بأن ذلك هو قِمة وقُمة السقوط في هاوية المعاند والمساند، للقضاء على الشاهد والمشاهد.

ودع عنك، أسطورة حقوق الإنسان، من إيران إلى الأمريكان، ومن الانكليز إلى الألمان، فما ذلك إلا حكايات نسوان لهدهدة أحلام السذج من الشبان، والأغرار من الصبيان.

اختلطت في سوريا، وفي حلب، وإدلب، وحماه بالذات، اختلطت الإيديولوجية الإلحادية، بالمذهبية الدينية، مضافا إليها العقيدة الرأسمالية، وكلها اجتمعت على استئصال شأفة المقاومة الوطنية، حيث ما وحدت في الرقعة العربية أو الإسلامية.

لقد صرنا –والله- نخجل من أنفسنا كعرب، ويأبى علينا ضميرنا كمسلمين، لمجرد مشاهدة ما يفعل بنا في سوريا، وفي اليمن، وفي ليبيا، وفي كل أنحاء المعمورة، على مرأى ومسمع من جيوشنا الراتعة، الرابضة في ثكناتها، تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، وتتآكل أسلحتها التي يعلوها الصدأ، لأنها لا تستخدم إلا في قمع المظاهرات السلمية، والتصنت على المكالمات الخصوصية، حتى المكالمات الغرامية، أو التجارية، أو الأسرية.

وأين مواثيق التحالف العربي، ومعاهدات التضامن الإسلامي ولوائح الدفاع عن الحق الإنساني في كل هذه الاتفاقيات مما يُصب من براميل المتفجرات على حلب الشهيدة؟ هل خلقت حلب، وغيرها من المدن السورية لتباد دون مراعاة لحرمة البلاد وقدسية العباد؟

وأين زعماء الأمة أمام ما يجب عليهم من إبراء للذمة، وكشف للغمة، وقد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد؟ وأين الأغنياء الأغبياء، من وجوب البذل والعطاء للقضاء على البلاء، والتخفيف من الشقاء، والتصدي بالمساندة لمن يقفون في وجه الأعداء، تالله إننا في الدرك الأسفل من الغباء والعناء.

هل نلوذ بالصمت أمام ضخامة الجريمة؟ وهل ندفن رؤوسنا في ركام الذل والهزيمة كما تدفن جماهيرنا، تحت ركام وأنقاض العدوانية اللئيمة، التي نصب علينا كل أنواع الإبادة الأثيمة، ونكتفي في مواجهتها بالشتيمة.

هل نترك حلب، ثم من بعدها مدن أخرى –لا قدر الله- تمحى من خريطة الوجود، فنوقع بأيدينا صك الإبادة، بدل الصمود والخلود؟

لقد حصحص الحق، وبان الصبح لكل ذي عينين فلم تعد تنطلي على الوطنيين المسلمين الحقيقيين الشعارات البراقة التي يحملها البعض هنا وهناك. إننا نكفر بالمعاهدات التي تضلل الشعوب في المحافل الدولية وفي الملتقيات.

وإننا نبرأ إلى الله من الشعارات والكلمات المظلومة باسم الشرعية الدينية أحيانا، وباسم الشرعية الدولية أحيانا أخرى، فقد خبرنا كل هذه الأقاويل فما وجدناها إلا زيتا يصب في البراميل، في الإجهاض على المستضعفين الآمنين، من طرف المعتدين الغزاة الأبابيل.

إن اختلال المكاييل لدى من يمثلون قُمة العالم قد أصبح هو القانون الذي يحكم الجميع، فعندما يقوم الطفل الفلسطيني الأعزل أو السجين المكبل، أو السوري المعلل بالمطالبة بأبسط حقه الإنساني في الحياة، تصب عليه كل ألوان القمع، وأنواع العقوبات، وعندما تهجم أساطيل من محافل الجيوش الأجنبية بأخطر أنواع الأسلحة المحرمة إنسانيا، وأخلاقيا، وقانونيا، ودينيا، على أهل الأرض الجائعين، القابعين في بيوتهم، ومساجدهم، ومعاهدهم، يلوذ الجميع بالصمت تحت مزاعم الدفاع عن أنظمة شرعية حتى لا تنهار، أليس هذا هو أبشع وأنكى العار والدمار والشنار؟.

كان البعض يقول بأن الكفر ملة واحدة، وأرحام تتعاطف، ولكن هذه المقولة قد بطلت اليوم، بعدما رأينا المسلم والكافر معا يتعاونان على قتل الضعيف المظلوم، فبأي دين يمكن تبرير هذا، وبأي  قانون يحق تعليل هذا، فنحن لا نعلم قانونا إنسانيا حقيقيا يجيز اعتداء القوي على الضعيف، ولا المسلح على الأعزل، ولا الأجنبي على ابن الوطن، ولا نعرف دينا سليما، وخاصة الإسلامي يبيح تواطؤ المتدين مع المعتدي الظالم المسلح، فضلا أن يكون ملحدا أو كافرا.

قتل امرئ في غاية    جريمة لا تغتفر

وقتل شعب كامل     مسألة فيها نظر

إن حلب المقاومة المستبسلة الواقفة في وجه العدوان والطغيان أمانة في أعناقنا، ووديعة التاريخ في ضمائرنا، فلئن سقطت أو خفتت، أو استشهدت ونحن نملك الإيمان، والحق، والمال، والرجال، لئن وقع كل هذا بالرغم مما نملك فإننا لقوم خاسرون، وإننا لا نستحق الحياة، وتحق علينا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ويكون مصيرنا كمصير أهل القِمة الذين تحولوا إلى أهل القُمة حيث الخزي والهوان، والسقوط.



27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4945