رحيل شمعون بيريز
التاريخ: 13-1-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


أحيانا يمزح التاريخ معنا، لا لكونه يحب المزاح كما يظن البعض، بل لأنه يسخر منا بمرارة ويبتلع الغصة إلى الجهة الأخرى المعاكسة لوجودنا، فأقوانا ليس قويا بعضلاته وذكائه وعقله وحكمته، بل هو قوي بغيره، بعدونا الذي يستقوي به ضدنا نحن الضعفاء أمامه لأنه يحكمنا بقوة عدونا، وأضعفنا ليس ضعيفا بجسمه وذكائه وعقله وحكمته، بل هم ضعفاء لأنهم استسلموا لفكرة أنهم ضعفاء لا يقدرون فعل شيء أمام هذا المستقوي بغيره وهذا العدو القوي بمن استقوى به. 



 

 

هذه حال أمة قال عنها الخالق عز وعلا :{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}

 

وقال عنها الشاعر:

         يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

لقد انهزمنا في حروب كثيرة خضناها ضد العدو الصهيوني؛ لم يهزمنا العدو كما يعتقد ويعتقد البعض منا، بل هزمنا أقوانا الذي كان يحكمنا في مصر، حين استعان بالمستعمر البريطاني في شراء أسلحة فاسدة من عنده، فكانت تلك الأسلحة تقتل حاملها الجندي المصري بدل الجندي الصهيوني.

وانهزمنا في حرب حزيران (جوان) 1967، لا لأن العدو هزمنا بل لأن أقوانا الذي كان يحكم مصر في ذلك الوقت اعتمد على وزيره للدفاع (المشير عبد الحكيم عامر) الذي لم يكن مؤهلا لقيادة جيش مصر، فكانت نهايته الانتحار خوف الفضيحة.

وانهزمنا في حرب أكتوبر 1973 أيضا، وكانت بداية الحرب نصرا لنا، ولكن أقوانا في مصر أرادها هزيمة، وليست ككل الهزائم السابقة، بل هي أفظعها وأفدحها كما أرادها الرئيس المؤمن "محمد أنور السادات" الذي استمع لوزير الخارجية الأمريكي (هنري كيسنجر) واقتنع برأيه فغير مجرى الحرب ليتحول النصر إلى هزيمة نكراء لم تتوقف نتائجها على ما أسفر عليه الميدان في سيناء ومنطقة "البحيرات المرة" ومرتفعات "الدفرسوار"، بل تعدتها إلى القدس التي نزل فيها الرئيس المؤمن "محمد أنور السادات" ليخطب أمام "الكنيست" الصهيوني ويعترف بالدولة الصهيونية ويوقع معها اتفاقية "كامب ديفيد" التي كانت الفسيلة الأولى التي غرست على أرض الوطن العربي لتمتد جذورها وتنبت فسيلات أخرى غيرها، آخرها المبادرة العربية للسلام كخيار استراتيجي التي صادقت عليها القمة العربية في بيروت عام 2002 والمرحوم "ياسر عرفات" محاصر في مقره في رام اللـه بدبدبات العدو بقيادة المجرم "شارون" ومع ذلك أنهت القمة اجتماعها وكأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال في أعين كل الحاضرين فيها.

المهم أن كل الهزائم كانت بسبب استقواء أقوانا بعدونا ولعل أدهاهم وأذكاهم صاحب الجلالة الملك "الحسن الثاني" العلوي الشريف الذي كان الوسيط الحكيم الهمام بين "موشي دايان" الصهيوني و "حسن التهامي" المصري للقاءات ماراطونية أفضت إلى ما ذهب إليه "السادات"، وبعده الملك "حسين بن عبد اللـه" الهاشمي.

لابد من التذكير أن أقسى الهزائم هي التي حدثت في عام 1982 في لبنان والتي كان من نتائجها إخراج المقاومة الفلسطينية من بيرون إلى الشتات. هذه الهزيمة كانت بسبب تحالف أقوانا في سوريا مع قوات الكتائب المارونية المسيحية التي تحالفت هي بدورها مع العدو الصهيوني لترتكب معه مجزرة "صبرا وشتيلا". لقد كان التحالف السوري الماروني ضد القوات التقدمية وكل قوات المقاومة، ووصلت في هذا التآمر إلى حدّ اغتيال كبير قادة القوات التقدمية والمقاومة اللبنانية المرحوم "كمال جمبلاط".

هذا الكم من الهزائم التي تكرست في الشعور الجمعي لكل الأمة لينظم الكثير من قادتها إلى صف القادة والحكام المتحالفين مع حليف العدو الصهيوني أمريكا والدول الغربية الكبرى التي واصلت هجمتها الاستعمارية الكبرى لتقوم بتدمير العراق شعبا ودولة وجيشا وتغتال رئيسه الذي مهما قيل عنه فإنه بنى بلاده وأعدها للوقوف في وجه العدو، وقبله قام هذا التحالف الامبريالي الغربي الاستعماري الرأسمالي بوضع فتيل حرب أهلية في الجزائر وفي الصومال، وانتهى به المطاف في تدمير ليبيا وسوريا واليمن.

هؤلاء الأقوياء منا المتحالفون مع أقوياء العالم هم الذين أرادوا أن تكون جنازة المجرم "شمعون بيريز" كما كانت وهو المجرم الذي نفذ مجزرة مدرسة "قنا" ومجازر أخرى كثيرة وهو الذي بدأ سياسة بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم يكافئه العالم الغربي الرأسمالي بجائزة نوبل للسلام، وليتحول بقدرة قادر إلى رجل السلام ويحضر جنازته ممثلو بعض الدول العربية كالمغرب والأردن ومصر ورئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس".

رحمك الله يا ياسر عرفات وأسكنك فسيح جنانه.







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4947