الصراع بين الفصحى والعامية في احتلال الأولوية في التدريس لا يتوافق مع النظريات التربوية الشهيرة، ولا مع المدارس اللسانية في أي مدرسة بالعالم.
التاريخ: 13-1-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


بدأ الصراع يحتدم بين الفصحى والعامية في التدريس، والتعاملات الإدارية، حين احتل المستشرقون مواقع التأثير في بعض البلدان العربية في المشرق العربي، وقد بدأت الدعوى إلى العامية سنة 1880م. من قبل المستشرق (وِلْهم سبيتا) في مصر، تبعا للمخططات التي وضعها الاستعمار في مخابره السرية، قصد تفكيك الوحدة العربية عبر ثلاث استراتجيات، هي:

أ.خير الدين هني



 

 

 

الإستراتيجية الأولى للتفكيك: إن فكرة الدعوة إلى العامية فكرة قديمة أوكلتها الدوائر الاستعمارية في العالم العربي حينذاك إلى المستشرقين والمبشرين، الذين كانوا يشتغلون كمدرسين في الجامعات أو كملحقين عسكريين في السفارات، أو كموظفين في بعض الدوائر الحكومية العربية تحت شعار التعاون العلمي والثقافي لتحقيق غاية استعمارية مقيتة.

 (سأتناولها فيما بعد).

 وهي تقسيم العالم العربي إلى أقصى درجات التقسيم، ضمن دويلات صغيرة لا تقدر على التنافس على إدارة السياسة الدولية، وتكتفي بالتنازع على الحدود فيما بينها -مثلما هو عليه واقعهم اليوم- وهو من المخططات المحبكة التي انتظرها بسعادة غامرة، وكانت البداية بإسقاط الوحدة السياسية عبر نظام الخلافة الذي شكل لهم غصة في حلوقهم قرونا عديدة.

 والغرض من ذلك ضمن تخطيطهم الدقيق، هو البدء بتقويض البنية السياسية التي تنتظم بداخلها النظم الدينية، والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية، ولما تم لهم ذلك افتراضيا قبل سنة 1918م، قاموا في هذه السنة بتقسيم العالم العربي إلى كيانات صغيرة عبر اتفاقية "سايس بيكون" الشهيرة، وكي يبعدوا الأمة عن موروثها الثقافي الذي هو عماد وجودها وقوتها ووحدتها، وضعوا خطة أخرى ماكرة أشد ما يكون المكر وهي الدعوة إلى وجوب تكوين كيان قومٍ أسموه الجامعة العربية، ليفصلوا بين العرب وباقي المسلمين كيما يحققوا أهداف التفرقة والتجزئة.

 وبعدما تحقق لهم الهدف، هاهم اليوم يسعون سعيا حثيثا لتفكيك هذه الجامعة بوسائل أخرى تتناسب مع ظروف هذا الزمن، فأصبحت هذه الجامعة هيكلا بلا روح ، لا تعقد فيها الاجتماعات إلا لتبادل الشتائم والخصومات، ومع ذلك بقيت هذه الجامعة، كآخر كيان يوحد أشتات العرب، وهي المؤسسة الوحيدة كهيكل سياسي وقومي مازال يحمل شعار الوحدة العربية، وما انفك يصارع من أجل الصمود والبقاء، وكانوا بالأمس (1945) قد سعوا إلى تأسيسها، لأن الأهداف السياسية في تلك المرحلة كانت تدعو إلى ذلك.

الإستراتيجية الثانية للتفكيك: وتتضمن إحياء النعرات الجهوية والعرقية، والدعوة إلى إحياء اللهجات المحلية، بتقديم الدعم السياسي والمالي والفني، لبروز هذه النعرات الإثنية في البلدان الإسلامية والعربية على وجه الخصوص، مثلما فعلوه مع بلدان المغرب العربي، حين ساعدوا الحركات الانفصالية على تأسيس الأكاديمية البربرية في باريس في منتصف الستينيات من القرن الماضي.

 وحثوا الأقباط في مصر على الدعوة إلى طلب حقوقهم الثقافية والدينية، وشجعوا العراقيين على إحياء الآشورية والسومرية. وعملوا على زرع بذور التفرقة بين العرب والأكراد، وفي جزيرة العرب أثاروا فكرة العرب العاربة والعرب المستعربة، وفي السودان زرعوا بذور التفرقة بين العرب والزنوج، وأجبروا إندونيسيا على فك الارتباط مع إقليم تيمور الشرقية ذات الأكثرية المسيحية، ثم استغلوا حماسة الشباب المتشدد للزج به في تبني خيارات صعبة قادته إلى التصادم مع بني قومه ودينه لتدمير عوامل الوحدة والقوة التي بنيت خلال عقود من الزمن بدماء وعرق هذه الشعوب المغلوبة على أمرها.

الإستراتيجية الثالثة للتفكيك: في هذه الإستراتيجية، أحكمت القبضة على ما تبقى من عوامل التفكيك، إذ أوكل الجانب السياسي في عملية التفكيك إلى العوامل السياسية عبر المؤسسات الدولية في بعض الحالات، وإلى استعمال القوة وما يتناسب معها من الوسائل التي تخلق الفوضى الخلاقة في حالات أخرى، حسبما عبر عنه أحد الزعماء السياسيين (بوش الابن).

والدعوة إلى التدريس بالعامية هي إحدى الوسائل التي أوكلت مهمة تنفيذها على المستوى المحلي إلى المدافعين والموالين للثقافة الأجنبية من أصحاب الفضاء الفرانكوفوني..والذين يحتقرون هوياتهم، ممن نصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب من غير توكيل.

   فحينما تم تهديم القواعد البنيوية للدولة العربية، وصارت في طريق الانحلال والابتذال وفقدت خصائصها الوطنية والقومية، أرادوا الإجهاز عليها بما تبقى من لحمة تربط الأواصر الاجتماعية والثقافية لهذه الأمة، فتمت الدعوة من جديد إلى أن  ينهوا المشروع بتدمير الفصحى وقواعد أحكامها إحياء للمشروع الاستعماري القديم.

 وكان أول من دعا إلى العامية حسبما ذهبت إليه الدكتورة بنت الشاطبي هو (وِلْهلم سبيتا) سنة 1880م "مدير دار الكتب المصرية، الذي تنبأ بموت الفصحى، واعتمد في تحليله على الثنائية اللغوية في مصر" (د/مصطفى بن حمزة.جريدة هسبريس الالكترونية).

وفي الاتجاه نفسه نحا نحوه مهندس الري الانجليزي (ويلكوكس) سنة 1893م. كان يعمل مبشرا متخفيا عن الناس في نادي الأزبكية، فدعا إلى إحلال العامية محل الفصحى، وأسس لأجل ذلك مجلة كان يستعمل فيها العامية، ولم تلبث أن أغلقت بسبب رفض المثقفين لها، وبعد ثلاثين سنة ظهر هذا المبشر على حقيقته المعادية، فترجم الإنجيل إلى العامية وأصدره سنة 1925م. وألف أحد قضاة مصر بمحكمة الاستئناف في مصر من الانجليز وهو القاضي (ولمور) كتابا أسماه لغة القاهرة فوضع قواعد لها، ثم اقترح اتخاذها لغة العمل والأدب، وقد وجد مقاومة ضارية من العلماء والأدباء والشعراء"( المرجع السابق)

ورد عليه حافظ إبراهيم بقصيدته الشهيرة:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي

وناديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني

عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدت ولما لم أجد لعرائسي

رجالا وأكفاء وأدت بناتي

وسعت كتاب الله لفظا وغاية

وما ضقت عن أي به وعظاتي

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة

وتنسيق أسماء لمخترعات

أيطربكم من جانب الغرب ناعب

ينادي بوأدي في ربيع حياتي

ثم خلَفَ خلْفٌ من بعدهم من أبناء جلدتنا، ممن انبهروا بآراء المستشرقين والمبشرين، من أمثال سلامة موسى وسعد عقل واليا زجي وطه حسين وغيرهم.

وفي الجزائر كان الاستعمار يعمل على تقويض الفصحى بكل الوسائل، وقد أسس جريدة سنة (1847-1927) اعتمدت لغة عامية متسفلة، وهي خليط من الفصحى والعامية ذات تراكيب ركيكة، منها ما جاء في العدد الأول "اعلموا يا مسلمين أرشدكم الله العظيم سلطان افرنصة نصره الله اتفق له برأيه وقوع هذا المبشر مختص لفائدتكم يرضى لكم ما يرضاه لنفسه"( لغتنا والحياة، ص 173).

 وبعد الاستقلال مباشرة، رفع لواء هذه الدعوة غلاة الفرانكفونية ممن تأثروا بالثقافة الغربية، والذين كانوا على رأس الإدارة الجزائرية، ولكنهم كانوا يكيدون للعربية في الخفاء ولم يظهروا للعيان، لأن الدولة كانت قوية وملتزمة بخطها الوطني والقومي. وبعد الانفتاح الديمقراطي ظهروا على حقيقتهم المعادية وكشروا على أنيابهم وأعلنوها حربا بلا هوادة بأساليب مختلفة، أضعفها كان بتحدي الشعب والتحدث إليه بلغة عدوه نكاية فيه، ولم تتحرك مشاعر النخوة والشهامة في نفوسهم فيردعوا عما يفعلونه حياء وتذمما، وفيهم مجاهدون وأبناء شهداء، ممن يفترض أن يعطوا القدوة الحسنة للأجيال في الوطنية وروح المسئولية، بل رأيناهم سكارى بنشوة الحديث باللغة الفرنسية.

ثم بادرت عَرّاب الفرانكفونية الأستاذة مليكة قريفو، فنشرت ما تسميه كتابا بعنوان "المدرسة الجزائرية من بافلوف إلى ابن باديس". وهو بعيد كل البعد عن معايير البحث العلمي بمناهجه الدقيقة، وهو ليس إلا مجموعة من الخواطر والرواسب المكبوتة لمعت في ذهنها فدونتها في صياغة إنشائية ثم ضمتها بين دفتي كتاب فاعتبرتها بحثا، وهو مخالف لمناهج البحث العلمي المعروفة – التحليل الإحصائي، التحليل الوصفي، التجربة، تعميم العينة، الإحصاء المعياري، لغة الاستبيان...الخ.(وقد ناظرتها في ذلك وكشفت لها خطأ منهجها في الكتابة والحكم.  عبر جريدة الشروق سنة 1990).

كان تحاملها واضحا على أهداف المدرسة الأساسية، مثلما كان يردده غلاة الفرانكفونية، فذهبت إلى أن سبب ضعف مستوى التعليم هو المعربون في إشارة ضمنية لأنهم اعتمدوا على مرجعية شرقية، وهي مرجعية متخلفة- حسب زعمها- وكانت جريئة في إصدار هذا الحكم البليد من غير علم، فلما واجهتها بأن كبار المنظرين والمثقفين في الشرق هم خريجو الجامعات الأمريكية والانجليزية والألمانية والفرنسية... وأن أقلهم حظا يتقن لغتين على الأقل، وأن علماء التربية الكبار هم أمريكيون وليسوا فرنسيين، وأن المدارس البحثية الحديثة الكبرى في التربية وعلم النفس هي أمريكية النشأة وليست فرنسية (كالمدرسة السلوكية والبنائية والقصدية والوظيفية...وأن كبار المفكرين التربويين والنفسانيين أمريكيون. مثل: بوبيت وسكنر وثورندايك وواطسن وتايلر وكانيي وماجر وميجر وبلوم وكوفكا وكوهلر...وهؤلاء هم الرواد الأوائل الذين أسسوا علوم التربية وسيكولوجية التعلم الحديثة، ولا يوجد أي واحد من كبار المربين ممن كوّنوا مدارس كبرى من الفرنسيين، والفرنسية اليوم تتساوى مع العربية في الترجمة إليهما من الانجليزية، ينبغي أن نستثني (روسو ولمارتينيار وألان)، لأنهم ليسوا أصحاب مدارس كبرى مثل الأمريكيين (الكلام يطول في هذا الموضوع).

وحينما أسست الفاضلة قريفو مدرسة خاصة لم تتبن لغة الأم التي طالما نادت بها ووثقتها في كتاب خواطرها، وإنما اعتمدت اللغة الفرنسية كلغة للتعلم انطلاقا من السنة الأولى. وهنا انكشفت الحقيقة المزيفة لهؤلاء العرابين، وهاهي اليوم تطل علينا في وسائل الإعلام من جديد لتغالط الناس بأفكار مبهمة وغير واضحة، كقولها: "المشكلة حضارية"، وحين لم تجد من يفري فريه في شأن ما يعرفه عن دواخلها بأسئلة محددة ودقيقة لمواجهتها، راحوا يصدقونها وأخذوا لها صورة تذكارية مع الأستاذ الهادي حسنين وبثوها في مواقع التواصل الاجتماعي للدلالة على منهجها السليم، وقربها من الخط الوطني الإسلامي. وكتب الإعلامي يعقوبي في صفحته ينوه بفكرها وسلامة منهجها مستدلا على أخذها صورة تذكارية مع الأستاذ الهادي حسنين، فرددت عليه بما لم يعرفه عنها وهو مبثوث في كتابها. وكذا بالمقولة الشهيرة  لعلي بن أبي طالب: " بالحق يعرف الناس وليس بالناس يعرف الحق".

 والأستاذ الهادي – شكر الله سعيه – الذي سخر قلمه وعلمه للدفاع عن الحق والفضيلة، ومحاربة بقايا الاستعمار ممن انتخبوا ضد استقلال الجزائر من العرابين للثقافة المتفرنسة، هو رجل فوق الشبهات والظنون، وهو من يعرف الناس قدره وفضله، ولكن فيما يبدو أنه وقع في موقف حرج كانت هذه هي نتيجته، فكان ذلك سببا في تقدير الناس الخاطئ لمواقف الأستاذة قريفو وتوجهاتها في الدعوة إلى لغة الأم، فهي وعرابو الفرانكفونية من السياسيين والإعلاميين يغرفون من مشكاة واحدة.

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4948