نجح اجتماع الجزائر، وفشل المحللون!
التاريخ: 13-1-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


في الوقت الذي كان فيه المحللون الاقتصاديون والسياسيون يتنافسون على بلاطوهات التلفزيونات وصفحات الجرائد في عزف نغمة التشاؤم، والمراهنة على فشل اجتماع منتدى الطاقة في الجزائر، والتسابق في استعراض عوامل وأسباب انعدام فرصة التقريب بين وجهات نظر أعضاء كبار منتجي منظمة "الأوبك"، وخصوصا بين إيران والسعودية، وفي المقابل كانت الدبلوماسية الجزائرية وسط جو من التكتم والمثابرة ترمي بكل ثقلها وتوظف كل رصيدها الكبير لنسج التوافقات التي مكنت من تذليل الصعاب وإحداث المفاجأة بتحويل المؤتمر التشاوري المفخخ بالصراعات والتجاذبات إلى مؤتمر استثنائي ناجح ومتوج بقرار تخفيض إنتاج دول "الأوبك".



كانت جل المظاهر توحي بأن تصريح وزير الطاقة الجزائري، نور الدين بوطرفة، في اليوم الأول من اللقاء (27سبتمبر2016) القائل بأن: "الجزائر ستبقى متفائلة إلى آخر دقيقة من اللقاء"، يبدو كأنه مجرد لغو لا طائل من ورائه، خصوصا بعد إعلان الأمين العام لمنظمة أوبك، محمد باركيندو، إن روسيا لن تحضر اجتماع "أوبك الجزائر" وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن قبيل اجتماع الجزائر عن اكتشاف حقل بترولي جديد سيبدأ الإنتاج فيه قريبا، بالإضافة إلى تراجع  أسعار النفط في اليوم الأول من الاجتماع، وكذلك اشتراط وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي المهندس خالد الفالح على إيران عدم المطالبة بالعودة إلى حصتها الإنتاجية المقررة لها قبل فرض الحصار عليها مقابل قبول السعودية خفض إنتاجها النفطي بمقدار خمسمائة ألف برميل يوميا، وإعلان إيران تمسكها بالعودة إلى حصتها القديمة المقدرة بأكثر من أربعة ملايين برميل يوميا، كل هذه العوامل كانت تؤشر إلى أن مسار الحوار والمشاورات من أجل التوافق على حلول عادلة لرفع سعر برميل النفط قد وصلت إلى طريق مسدود.

والمعروف أن اجتماع الجزائر جاء بعد اللقاء الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة في جوان من العام الجاري، لتثبيت الإنتاج وخفض معروض الخام في الأسواق العالمية، لكنه فشل في الوصول إلى اتفاق بسبب اختلاف المجتمعين. ولذلك كان فشل اجتماع الجزائر سيؤدي إلى انهيار أسعار النفط إلى أقل من 40 دولاراً ويضع الدول المصدرة للبترول في أزمة اقتصادية، ويضع الجزائر بشكل خاص في ضائقة اقتصادية وخيبة سياسية لكونها غامرت بتنظيم اجتماع غير مضمون العواقب.

ولكن وفي ختام اجتماع دول الأوبك الذي استمر حوالي ست ساعات مساء الأربعاء 28سبتمبر، أعلنت أوبك أنها قررت خفض إنتاجها إلى ما بين 32,5 و33 مليون برميل يوميا، بينما كان الإنتاج يبلغ 33,47 مليون برميل في آب/أغسطس الماضي، حسب وكالة الطاقة الدولية. وهو أكبر خفض في الإنتاج منذ الخفض الذي أقر بعد انخفاض الأسعار خلال أزمة 2008.

وقال وزير الطاقة القطري محمد بن صالح السادة الذي ترأس الاجتماع، في مؤتمر صحافي إن الاجتماع كان طويلا جدا لكنه تاريخي وأضاف: "علينا تسريع إعادة التوازن إلى السوق". مشيرا إلى أن الحوار داخل المنظمة كان بروح إيجابية بشكل سهل التوصل إلى هذا الاتفاق، وأنه لم تكن هناك مفاوضات ثنائية لحل الخلاف السعودي الإيراني بشأن الاتفاق وإنما نقاش بين كامل الأعضاء.

ولكن كان من الواضح أن التنازل السعودي كانت له أثار إيجابية على القرار المتوصل إليه في اجتماع الجزائر، فقد وافقت الرياض في آخر المطاف وبشكل غير متوقع على إعفاء إيران، خصمها السياسي ومنافستها في هذا القطاع، من خفض إنتاجها بعد أن تشددت لأشهر طويلة في رفض ذلك.

ومن جهته أعرب وزير النفط الإيراني عن سعادته بنتائج اجتماع الجزائر قائلا بأنه "سعيد جدا". وكان قد صرح أن هدف إيران هو أن يبلغ الإنتاج أربعة ملايين برميل يوميا أي أكثر من حجم الإنتاج الحالي الذي يصل إلى 3,6 ملايين برميل يوميا. وقال بعد الاجتماع "قررنا خفض الإنتاج نحو 700 ألف برميل يوميا".

وأدى إعلان الجزائر إلى ارتفاع فوري في الأسعار وفي أسهم شركات الطاقة في الولايات المتحدة وآسيا، ورغم أن المحللين يعتبرون أن تأثير هذا الاتفاق على الأسواق لن يستمر طويلا. إلا أن من أكبر إيجابيات اجتماع الجزائر هي ظهور مؤشرات عودة منظمة "الأوبك" إلى دورها التقليدي كمنظم للأسواق الذي تخلت عنه بعد صراعات أعضائها وطفرة إنتاج المحروقات الصخرية الأميركية، التي جعلت أمريكا تصبح أول مصدر للنفط في العالم ، مقابل تمسك المملكة العربية السعودية بعدم خفض الإنتاج لمواجهة البترول الصخري الأمريكي الذي لا يردع تدفقه سوى رفع كلفة إنتاجه، حيث كان وزير البترول السعودي السابق علي النعيمي قد صرح بأن السعودية لن تخفض إنتاجها ولو بلغ سعر البترول أقل من 20 دولارا للبرميل مما ساهم بقوة في انهيار أسعار النفط التي تراجعت من مستوى أكثر من مئة دولار للبرميل الواحد في جوان2014 إلى أقل من ثلاثين دولارا مطلع 2016.

وهكذا توجت المشاورات التي قامت بها الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية التي استغرقت عدة أسابيع وجولة وزير الطاقة الجزائري نور الدين بوطرفة في عدد من عواصم كبار الدول المنتجة للنفط من داخل الأوبك وخارجها إلى تحقيق إنجاز تاريخي يسجل للجزائر في خانة النجاحات الدبلوماسية المشرفة.



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4952