سيرة النبي في الهجرة: إيحاءات المدد و إشارات التخطيط
التاريخ: 19-1-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


حدث الهجرة النبوية يحفل بكل أنواع العبر والدلالات، ولا يزال يمدّ مَن يسعى للتأصيل لأي عمل في دنياه-يبتغي به التسنّن-بإشارات تصحِّح الوعي أو تنمّيه، في مقابل ركام من الخرافة يتكئ عليه طوائف منّا، ينسبونه إلى الإسلام، ويرتِّبون عيه أجرا كبيرا، وهو ما يدفع آخرين-لا يكنّون ودّا لمقتضيات هذا الدين-إلى تسفيه كل ما يصدر عن المتدينين، مَن تمسّك منهم بالخرافة، و من نأى بنفسه عنها!



يُؤتى الإسلام عادة ممّن يتكؤون على نصوص-قد تصحّ و قد لا تصحّ- ينتقونها، تخدم وِجهتهم، و إن أضرّت بحقائق الإسلام، فحين تسيخ فرس سراقة بن مالك في الرمال-لمنعه من النيل من النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في طريقه إلى المدينة-في معجزة بيّنة لصاحب الرسالة، أدّت إلى إسلام من سعى لنيل الجائزة المرصودة في قتل محمد-يقف عندها و عند أمثالها نفرٌ لا تستهويهم من هذا الدين إلا معجزاته -صلى الله عليه سلم-، ما صحّ منها وما لم يصحّ، ولا يكادون يلتفتون إلى إشارات أخرى هي أوغل في عالم الشهادة، وأدعى للاتباع، وأجلب للأجر والثواب، ومن ذلك ترك الرسول لعلي بن أبي طالب في فراشه، لتضليل الساعين إلى اغتيال النبي، وإشغالهم عن خطتهم، حتى يبتعد النبي -صلى الله عليه  وسلم- عن مشارف مكة المكرمة.

أخرج الحاكم في المستدرك(3/9) والطبراني في المعجم الكبير(18/343)عن قيس بن النعمان قال:"لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مرّا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ها هنا عَناقا(الصغيرة من المعز) حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن، فقال: ادع بها، فدعا بها، فاعتقلها النبي -صلى الله عليه وسلم- ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، قال: وجاء أبو بكر رضي الله عنه بمجنّ فحلب و سقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط، قال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإني محمد رسول الله، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال:«إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا." قال  الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه."

هاهنا معجزة أخرى من المعجزات التي أُكرِم بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، في هجرته إلى المدينة المنورة، و للمطّلعين على السيرة الشريفة أن يحتفوا بها و بغيرها، لكن الأمر المذموم أن يُقتصر عليها في التعظيم والتمثّل، و أن تكون وسيلة للتمدّح بالنبي و ذكر مآثره، وأن يُذهل عن كل ما ترمز إليه أو تنبئ عنه سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، والأخطر من كل ما سبق أن يُحصر دين الله-في العقل  والوجدان-في جانب  وحيد منه، يتعلّق أغلبه بعالم الغيب، وليس له في عالم الشهادة من نصيب.

التكتّم والحذر والتخطيط في الهجرة النبوية كانت عنوانا بارزا، يصعب تجاوز أو تخطّيه، وكانت عبارة:"أوتراك تكتم عليّ.." في هذا الأثر واضحة لا لبس في دلالاتها، ولكن البعض منا يتجاهل هذا الجانب عن قصد، ويتغزّل ببعض المعجزات، التي يراها تمدّه بأسانيدَ لمذهب يتقلّده، ولا يرى الإسلام في غيره.

وفي الطرف الآخر فئات من الشباب المتحمّس لا يرون في الإسلام إلا نصوص الجهاد وتطبيقاته، يُشهرونها في وجه مَن سبق، وفي وجه كل من يبشِّر بهذا الدين و تعاليمه، بأن الطريق الوحيد لإعلاء كلمة الله إنما هو الجهاد، لا يراعون في دعواهم ظرفا، ولا يتحسّبون في اندفاعهم لواقع، تكاد تذوي فيه جذوة العقيدة لدى الكثيرين، وتختلّ فيه الموازين، لكي يُعطى الأعداء-بعدم التحسب لهذا العامل- مبررات الانقضاض بكل السبل، ويبقى الدين حبيس نظرة تُقعده عن أي حراك، أو حركة طائشة تأخذه إلى المجهول، أما العمل الدؤوب بعيدا عن ضجيج الشعار، فيحتاج إلى وعي وهمّة، لا يستطيعهما متغنِّ بالشمائل لا يعدوها، ولا راغب في انتقام بسيف يرتدّ على الأمة بشروخ الوعي قبل شروخ الجسد.

يمكن القول بأن للنبي -صلى الله عليه وسلم- في سيرته جولات طويلة في مناجاة الليل، حتى ليكاد يُظنّ بأن دأب النهار لا يطلُع عليه، وله في هذا النهار صولات مديدة في العمل والجهاد، حتى يخيل للناظر بأن حباله مع السماء مقطوعة!   



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4956