اغتيال البراءة، والعودة إلى المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام
التاريخ: 19-1-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


فاجعة أخرى تضاف إلى مآسي الشعب الجزائري المنقوشة في سجل اغتيال البراءة والانتقام من الأطفال، فبعد حوالي ثلاثة أشهر (4 أوت 2016) على مقتل الطفلة نهال سي محند، ذات الأربع سنوات بمنطقة واسيف بتيزي وزو، وهو الحادث الذي أخرج فئات من الشعب الجزائري إلى الشارع لمطالبة السلطات بتطبيق عقوبة الإعدام ضد مختطفي الأطفال، عثر صباح يوم الخميس الماضي (13 أكتوبر 2016)، على جثة الطفل، محمد ياسين درياح، الذي اختفى بمنطقة مازر ببلدية أقلي بولاية بشار، وتم العثور على جثة الطفل داخل  كيس بلاستيكي مرمي في إحدى البنايات الحديثة النشأة، وكان الطفل الذي يبلغ من العمر 6 سنوات قد اختفى، يوم الثلاثاء (11 أكتوبر 2016). والمفجع في الأمر أن حادثة اختطاف الطفل محمد ياسين، تمت في منطقة نائية من مناطق الجزائر ومحافظة على التقاليد ويفترض أنها بعيدة إلى حد ما عن المؤثرات السلبية للحضارة المادية، وتعقيدات حياة المدن ذات الكثافة السكانية والاختلاط بين أنماط العادات المتصادمة، فمنطقة مازر ببلدية أقلي هي موطن عشيرة واحدة متلاحمة النسب والقرابة.



قبل يوم واحد من اختفاء الطفل المقتول، جددت منظمة العفو الدولية، فرع الجزائر، يوم الاثنين، دعوتها لإلغاء تطبيق عقوبة الإعدام في الجزائر، وقالت في بيان لها "لقد أعادت إلى الواجهة عمليات الاختطاف وقتل الأطفال خلال الأشهر الأخيرة الجدل حول تطبيق عقوبة الإعدام، في حين أن الدولة الجزائرية أوقفت تنفيذ الحكم، منذ سنة 1993 وهي تعد خطوة إيجابية في حد ذاتها نحو الإلغاء". وترى منظمة العفو الدولية، أنه يجب على الجزائر أن تخطو خطوة نهائية نحو إلغاء عقوبة الإعدام، وبذلك تصبح أول بلد في المنطقة المغاربية يلغي هذه العقوبة.

وتتوكأ أمثال هذه المنظمات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام في الجزائر، على هرطاقات بعض من يعتبرون أنفسهم "خبراء" في الشؤون الإسلامية ممن يدعون بأن " النصوص القرآنية تتغير باستمرار وهي مؤقتة وعليه وجب إلغاء النصوص التي تدعو إلى القصاص والإعدام لأنها لا تتماشى مع المجتمع حاليا". واستدل أحدهم لتبرير ادعاءاته الباطلة بعمل الخلفية عمر بن الخطاب، عندما أوقف تنفيذ عقوبة قطع اليد في عام المجاعة ضد سارق ناقة، وقياسا عليه يمكن تعطيل تنفيذ عقوبة الإعدام.

وللتذكير، فقد أصبحت الجزائر منذ 24 فيفري 2010 رسميا في صف الدول المناهضة لعقوبة الإعدام، وهي لم تكتف بذلك بل وافقت على الانضمام إلى مجموعة الدعم التي اقترحتها الحكومة الإسبانية من أجل الإلغاء الكوني لتنفيذ عقوبة الإعدام. خلال المؤتمر العالمي الرابع لمناهضة عقوبة الإعدام الذي انعقد في جنيف أيام 24 و25 و26 فيفري 2010  الذي أعلن عن "إحداث لجنة دولية من أجل تحديد أجل عالمي بحلول 2015 للقضاء على عقوبة الإعدام"!

وقد سارعت جمعيات حقوقية إلى مساندة هذا الاقتراح، مما دفع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى إصدار بيان اعتبرت فيه مسعى إلغاء عقوبة الإعدام من المنظومة القانونية الجزائرية "محاولة للقفز على إرادة الشعب الجزائري المسلم، وتجاوزا للدستور، وتقليدا لجهات أجنبية، وانسياقا وراء هيئات دولية أثبتت الأيام عجزها عن مجرد إدانة الجرائم البشعة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني". وأكد البيان أن المادة الثانية من الدستور الجزائري تنص على أن "الإسلام دين الدولة" ومعنى هذا أن الدولة ينبغي أن تحترم الدين الإسلامي وألاّ تتجاوز ما نصّ عليه صراحة في القرآن والسنة. أما الذين اعتبروا بأن عقوبة القصاص تختلف عن عقوبة الإعدام، فقد رد عليهم المرحوم سماحة الشيخ شيبان رئيس الجمعية السابق: أن الله تعالى رفع شأن القصاص من المعاملات إلى باب العبادات مثله مثل شعيرة الصيام، فقال في الآيتين 178 و179 من سورة البقرة:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وأما من ذهب إلى أن قضية الإعدام مرتبطة بالقوانين الوضعية المطبقة في الجزائر ولا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، وأن الإعدام قد تجاوزه الزمن، وهو يمس بكرامة الإنسان، فقد رد الشيخ شيبان بحزم قائلا: "أيسمح العاقل لنفسه أن يتصور ويعلن أن عقوبة بشرية أرضية قد تكون أردع للقتلة السفّاكين وأنسب لحقوق الإنسان من الآية القرآنية التي تجاوزها الزمان، كلا والله، فلا يصدر مثل هذا القول من عقل واع وقلب مؤمن يعلم أن الزمان مخلوق لا يتجاوز أحكام خالقه...".

ويتحجج بعض الداعين إلى إلغاء عقوبة الإعدام بإمكانية حدوث خطأ قضائي في تطبيق عقوبة الإعدام لا يمكن تصحيحه أو التراجع عنه. والواضح أن هذه الحجة هي مغالطة مقصودة بين المبدأ والتطبيق، فلو أن خطأ التطبيق يحتم إلغاء المبادئ والقواعد القانونية لأصبح القانون مجرد عبث مدون على الورق!

إن الإسلام اعتبر القصاص في القتلى هو العلاج الناجع لأمراض المجتمع ولنفي القتل، الذي هو أخطر جريمة في المجتمع، فالقتل أنفى للقتل. كما أن إقامة الحدود وهي أعلى درجات العقوبة، وعقوبة القصاص في القتلى وهي أحد الحدود، قد أحيطت بضوابط شرعية مشددة، وحدّدت في حالات منصوص عليها بدقة كما جاء في الحديث النبوي الشريف: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

وعن أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له أن يخطئ في العقوبة".

فالمدافعون عن الإبقاء على عقوبة الإعدام ليسوا دمويين يحبون أن تزهق أرواح العباد وأن تحصد الرؤوس يد الجلاد، ولكنهم مقتنعون بأن الله تعالى هو أرحم بعباده وهو أدرى بمصالحهم من أي متزعم لجمعية حقوق الإنسان. 



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4961