السياسي الحقيقي والسياسي المزيف
التاريخ: 19-1-1438 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


ذكرنا في حديث سابق أن السياسة هي مطلق الاهتمام بالشأن العام، ولكن البعض لسبب ما يرى أن هذا الكلام فضفاضا؛ ذلك أن هذا البعض إما أنه في السلطة، ومن ثم لا تصور له لممارسة السياسة إلا في الإطار الذي هو فيه، وهذا شأن الفراعنة والطغاة والمستبدين، الذين لا يرون لأحد رأيا في السياسة إلا من خلالهم وفي إطارهم، وإما أن يكونوا حزبيين أي لا يعتبرون الممارسة السياسية إلا إذا كانت في إطار حزب سياسي، وهذا فيه شيء من الواقع باعتبار أن الاهتمام بالشأن العام والنشاط في المجتمع المدني متعدد الجوانب والمجالات والتخصصات ومنه النضال من أجل الوصول إلى السلطة، فكانت الأحزاب هي الإطار المناسب لذلك، ولكن هذا المعنى يخرج عموم النضال من أجل الإصلاح من دائرة السياسة بمفهومها الذي ذكرنا؛ لأن ممارسة السياسة ليست مقصورة على النضال من أجل الوصول إلى السلطة، وإنما هي نشاط عام يريد الارتقاء بالمجتمع إلى مصاف المجتمعات الراقية.



وصنف ثالث يرى أن ممارسة السياسة منحصرة في معارضة السلطة، متى كنتَ معارضا فأنت سياسي، وهذا أيضا فيه شيء من الحقيقة لأن طبيعة النفس البشرية عندما تتربع على عرش السلطة، فإنها تكون ميالة إلى الاستبداد أكثر من غيرها، ومعارضتها بطبيعة الحال هي مقاومة هذا الاستبداد.

وهذا التنوع والاختلاف في مفهوم السياسة والنضال السياسي، يفتح بابا أكبر وأوسع من مجرد الاختلاف في وجهات النظر، بحيث يفضي بالمسألة إلى صنفين من الناس: سياسي جاد وحقيقي وهو كل من يهتم بالشأن العام، ويحرص على نفع المجتمع وخدمته، سواء في إطار شؤونه الخاصة أو في شؤون العامة، ويضحي من أجل خدمة مجتمعه واستقراره وأمنه، فلا يفرق بين مصلحته الشخصية والمصلحة العامة، وفي ذلك مستويات كثيرة، فمن السياسيين من تفرغ للعمل بحيث لا يشغله من أموره شيء عن ذلك؛ بل يجهد نفسه في استثمار كل ما يصب في تلك المصلحة التي رآها ويناضل من أجلها.

وبين يدي مثالين من تاريخ الحركة الوطنية: المثال الأول لشيخ النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس الذي كان قد وضع دستورا لتصور النضال السياسي في جملة مركبة من ثماني كلمات وهي قوله "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء"، والمثال الثاني الأستاذ عبد الحميد مهري الذي عمر بعد ابن باديس رحمهما الله أكثر من ستة عقود وعاش فترة الاستقلال، قيل له ذات يوم "إنك انشغلت عن الحزب والمناضلين بالسياسة الآنية، فقال لمن قال له ذلك، إن منطلقات جبهة التحرير هي بيان أول نوفمبر –بناء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية-، والسؤال اليوم ماذا تحقق من هذا البيان؟ وأنا أعتقد أن كل من عمل على تحقيق هذا البيان هو من جبهة التحرير.   

أما السياسي المزيف فلا يملك من حقيقة السياسة إلا الاسم، حيث لا ينشغل كثيرا بالتفكير في المبادئ والوسائل والغايات، التي تمثل منهجية العمل والمعايير التي يرجع إليها عند الإخفاقات والأخطاء، فلا يذكرها إلا بمقدار.

وهذا المقدار قد لا يتجاوز كيفية الوصول إلى المنصب الفلاني أو الفوز بالانتخابات الفلانية.. أما ما عدا ذلك فلا معنى له في قاموس السياسة عنده.

إن السياسي الذي يهتم بمصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة، أو الذي يفرق بين مصلحته الخاصة والمصالح العامة، لا يصلح إلا أن يكون سياسيا مزيفا؛ لأنه أناني غير مرشح لأن يضحي بمصلحته الخاصة كشخص من أجل الصالح العام الذي هو مصلحة مجتمع أو مصلحة أمة.    



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4962