لعن مروان بن الحكم: النصوص والمقاصد
التاريخ: 23-1-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


التراث الحديثي الذي بين أيدينا فيه غير قليل من الغث الذي ينبغي أن يُمحّص، ولا تزال جهود طلبة العلم تنقِّب فيه بغرض تنقيته مما علِق به من آثار، قد تسيء إلى مقاصد هذا الدين، وقد يستغلها الخصوم والأعداء على السواء، فأما الأعداء فهذا ديدنهم، وأما الخصوم فممن ينتسبون إلى هذا الدين، لكنهم يتلقطون خبرا من هنا، وآخر من هناك، لخدمة مذهب، أو النيل من قيمة، أو العصف بما ثبت بنص من كتاب أو سنة، بحجة عدم مسايرته للعصر، أو مناقضته للعقل !



أخرج الحاكم في المستدرك (4/526)عن ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: "كان لا يولد لأحد مولود إلا أُتي به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له، فأُدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ بن الوزغ، الملعون ابن الملعون" قال الحاكم:" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ".

وأخرج الحاكم أيضا(4/528) عن عمرو بن مرة الجهني أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته وكلامه، فقال: ائذنوا له عليه لعنة الله، وعلى من يخرج من صلبه، إلا المؤمن منهم وقليل ما هم، يُشرّفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق".

قال الحاكم:" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

وأضاف الحاكم مقوِّيا لهذا الخبر الذي أورده: "..وشاهده حديث.. الشعبي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الحكم وولده.

قال الحاكم:" هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه..ليعلم طالب العلم أن هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما رُوي، وأن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم، ولم يسعني فيما بيني وبين الله أن أخلي الكتاب من ذكرهم".

أول ما يلفت الانتباه في هذه الأحاديث اللعن الصريح الذي نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يلعن به رضيعا جيء به للتبرك، ويلعن في الحديث الآخر أباه ومن يجيء من صلبه ! فهل يتفق هذا الصنيع مع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حلم وسماحة وعفّة لسان؟ وهذا أنس يقول عنه - فيما أخرجه البخاري عنه(8/13) قال: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سبّابا، ولا فحاشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترِب جبينه". وهذا مسلم(4/2005) يخرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانا". فكيف يُتصوّر أن يصدر اللعن عن نبي؟ وعقب هذا الحديث مباشرة يخرج مسلم عن أبي هريرة أيضا أنه قيل للنبي صلى الله عليه4  وسلم: ادع على المشركين قال: "إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة". يأبى أن يدعو على مشرك بالغ، ويلعن رضيعا مسلما في المهد؟ !

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، فقد يغضب كما يغضب البشر، وقد يصدر عنه في سورة الغضب ما لا يرضاه لنفسه، ولذلك يقول-كما ورد عند مسلم (4/2008)-: "اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة".

وعند مسلم(4/2007)عن عائشة أن اللعن منه قد وقع فعلا-فيما يمكن أن يكون سببا للورود، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح- قالت: " قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء، لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما، وسبهما، فلما خرجا، قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان، قال: وما ذاك؟ قالت: قلتُ: لعنتهما وسببتهما، قال: أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته، أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا ".

واكتفى البخاري-من كل ما سبق- بإخراج قوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم فأيما مؤمن سببته، فاجعل ذلك له قُربة إليك يوم القيامة". وأشار لبعض ما ورد عند مسلم من ألفاظ بقوله:" باب قول النبي صلى الله عليه  وسلم: من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة". ما يعني أنها ليست على شرطه، بما فيها حديث اللعن، الذي اعتبره ابن حجر سببا للورود.

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4966