تيار العلمنة بين هواجس النَّفس وضرورة التجديد
التاريخ: 23-1-1438 هـ
الموضوع: تاريخ و حضارة


يتفق كلّ من أرَّخ لحركة النهضة والتجديد في العالم الإسلامي، أن فكرة النُّهوض والبحث عن سبل الخروج من آسار التخلف، كان منشؤها الفكر الإسلامي ورجالاته، و أنّ لحظة اكتشاف الفارق الحضاري بين العالم الإسلامي والحضارة الغربية، لم تكن سوى وقفة وقفها رجل ينتمي فكرياً للثقافة الإسلامية، ومع هذا يُصرُّ تيار العلمنة على معادة الفكر الإسلامي، والتراث الديني عموماً.



منذ أيام استمعت لحوار أجرته مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" مع الكاتب والباحث السوري هاشم صالح، وهو المعروف بالترويج لكتابات المفكر الجزائري الراحل محمد أركون، حيث ترجم أعماله إلى العربية، ويصرّ -مثل أستاذه أركون- على حتمية علمنة الدولة والمجتمع، ويرى -كما يرى قادة هذا التيار- أن منع التيار الإسلامي من تصدر المشهد السياسي والثقافي، ضرورة يقتضيها جدل الصراع بين نظام التقليد والحداثة، وهم في هذا مستعدون للتحالف مع الشيطان الرجيم.

في هذا الحوار أبان الدكتور هاشم عن حالة نفسية يتقاسمها كلّ من يعادي ذاته وثقافته، فقد صرح بأن اتجاهه نحو الثقافة العلمانية، لم يكن سوى رداً على موقف شخص، حيث أن والده الذي كان شيخاً(رجل دين بالمفهوم العلماني)، تزوج  على والدته، وهو ما دفعه لاتخاذ موقف سلبي من والده، وانطلاقاً من هذا الموقف بدأت ملامح العداء للتدين تظهر على الشاب الذي نشأ في بيت تدين، وتحوّل تحولاً جذرياً انطلاقاً من حالة نفسية، شكَّلت وعيه بالحياة عموماً، وكانت العلمانية هي الروح الدافعة لفكر الرجل في نقد الدين ومظاهر التدين، ولو بحثنا في مسيرة الكثير ممن ارتبطوا فكرياً بتيار العلمنة في الوطن العربي والإسلامي، لكان للمواقف الخاصة والشخصية التأثير الأكبر في صناعة وعي هؤلاء، لكننا نراهم عندما يكتبون وينظّرون، يحدثوننا عن اكتشافهم للفكر الغربي، انطلاقاً من الدراسة والبحث،.

والحق أن دراسة التيار العلماني في العالم الإسلامي ضرورة تقتضيها، عمليه تصحيح الرؤية الذاتية للأمة، حتى نتمكن من مَوْضَعة العلاقة بين الإسلام والحداثة، وفق رؤية سليمة تخدم واقعنا وتحافظ على تراثنا، وتجمع بين نقد الذات والاستفادة من الوافد، لذا يجب أن يوضع موضوع العلمانية محل القراءة والبحث والدراسة، كيف تسرب الفكر الغربي إلى الواقع الإسلامي، ومن أي النوافذ كان التأثير أكبر؟

وهل كانت مسألة التأثير ذاتية خالصة، أما أن الغرب هو من عمل على تكريسها عميقا في البنية الثقافية والذهنية في الواقع الإسلامي؟

 وانطلاقاً من أسئلة من هذا القبيل يمكننا أن نؤسس لحركة ثقافية جديدة، تلغي شيئا فشيئاً، الازدواجية الثقافية التي تطبع الواقع الثقافي في العالم العربي والإسلامي، فنقد العلمانية من قبيل المواجهة المصطنعة بين تيار أصيل وآخر تغريبي، لم تعد تجدي كثيراً، بل أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً على هذا الجيل، الذي يريد المحافظة على الذات والاستفادة المطلقة من منتجات الحضارة المعاصرة التي امتزجت بالعصر، بالقدر الذي يستحيل معه المفاصلة، وليس معنى هذا الكلام، الدعوة للانخراط التام في المجال الحداثي الغربي، وإنمّا الدعوة قائمة على مبدأ القراءة المتأنية للغرب، بعيداً عن منطق المواجهة والصدام...وللحديث بقية.

 

 



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4968