النظرية وحدها لا تصنع تغييرا..!
التاريخ: 23-1-1438 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


الحياة أعمال واجتهاد، وحركة دائمة لا يوقفها إلا الموت الذي كتبه الله على بني آدم من يوم أنشأ الله عز وجل الخليقة إلى قيام الساعة...

ومهما يكن من أمر فالإنسان حين يسير في طريق معين، فإن لكل بداية نهاية، وهذه حقيقة أكيدة، لابد أن تكون فكرة مهضومة بالنسبة لجميع الناس...

بيد أن الفرق بين إنسان وإنسان آخر يظهر في النهايات، وفي النتائج التي يحققها كل فرد في دائرة تأثيره، فيكون أحدهم سببا في فعل إيجابي يخدم به غيره، ويحقق فكرته الصحيحة في واقعه، فيبقى أثره وإن فني رسمه، وقد يكون الآخر إنسانا سلبيا، أو مستقيلا اجتماعيا، فوجوده كعدمه، فهو ميت الأحياء...

إن الأفكار الصحيحة، لا تتحقق إلا إذا توفرت لها بيئة صحية، يقوم عليها أشخاص مؤهلين عقليا ونفسيا، ويهبون حياتهم لتجسيدها، وهذا واضح في تجارب إنسانية تشهد على هذا المعنى...  



 

إن التجربة الإنسانية-كما أردد دائما- مدرسة محترمة يمكن للمطلع عليها أن يتعلم منها أشياء كثيرة تنفعه في دنياه وآخرته إِنْ أحسن التعامل معها فكريا وتطبيقيا، وقد قال رسول الإنسانية المؤمنة محمد- صلى الله عليه وسلم- فيما معناه:" الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها"...

من سنوات قرأتُ كتابا للكاتب الأمريكي "ستيفن.ب.أواتيس" عنوانه "النفير" يؤرخ فيه لحياة ونضال القس الأمريكي الدكتور "مارتن لوثركينغ" وللسود الأمريكان أيام إضرابهم في منطقة "مونتغومري" عن ركوب الحافلات بسبب التميز العنصري، إذ فضَّل بعضهم أن يبرهنوا بأقدامهم على رغبتهم في العزة والكرامة والعدالة، فكانوا بكل شجاعة يسيرون إلى العمل يوميا دون اعتبار لطول الطريق أو برودة الطقس....!

وصادف سائق عربة مرة عجوزا من السود تدب على الطريق بصعوبة جمّة، فعرض عليها أن يقلّها، ويوصلها إلى مقصدها، إلا أنها أشارت إليه بيدها الضعيفة أن يواصل طريقه، وقد قالت له بكبرياء:" أنا لا أمشي لنفسي، وإنما أمشي لأولادي، وأحفادي"...

وقال أحد قادة الاضطراب السود لعجوز أخرى شاركت في الإضراب:" والآن اسمعي، لقد كنتِ معنا طوال الوقت، فاذهبي الآن وعودي إلى ركوب الباص (الحافلة) لأنك أكبر سنا من أن تستمري في المشي"!

فأجابته محتجة:" أوه....كلا...سوف أمشي بقدر ما يمشي الباقون..سوف أمشي حتى ينتهي الأمر"!

رد عليها الرجل قائلا:" لكن ألم تتعب قدماك"؟

فقالت وهي تبتسم:"أجل تعبت قدماي لكن نفسي مرتاحة".!

إن أكبر المشكلات عندنا أن كم النظريات أعلى مقارنة بالعاملين الحقيقيين الذين يسيرون في طريق تحقيقها، ومنسوب الكلمات أكثر من منسوب الذين يجتهدون في ميدان العمل في صمت، ولهذا كان المردود قليلا، والقليل عليلا..!

إن صاحب الفكرة الصحيحة لا يساوي شيئا إذا فقد مؤازرة صاحب"النضال" الحقيقي الذي يجهد بإخلاص للبناء الشاهق بعرقه وماله، والفكرة مهما تكن في المستوى لا تنمو في واقع إلا إذا تم سقيها بماء العمل والتضحية، فبهذا يتحقق التغيير، ويكمل البناء...وإلا فإن النظريات ستبقى مجرد نظريات.!

 

 



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4971