مات لي صديق
التاريخ: 2-2-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


كنتُ وإياه في حلقة شيخنا غلام عبدلي رحمه الله، ولمّا توفي الشيخ لازَمَني أكثر من عشرين سنة، وكان يظن بي خيرا ويعدّني شيخا مربيا، لا يحضر إلا جُمعاتي ولا يستفتي غيري في أمور الدين، ولم يكن في عيني تلميذا كما يعتقد هو بل كان صديقا مقرّبا وأخا عزيزا، وانتقلت الصداقة إلى أُسْرتينا فصرنا كأننا أبناء بيت واحد، لم يغبْ عن مناسبة سعيدة أو أليمة مرّت بنا بل كان -ومعه زوجته - يسبق غيره في الفرح والحزن والحضور الفاعل في الملمّات، أصابني مرة مرض أقعدني فترك أشغاله وتجارته وانبرى لعرضي على الأطباء وإجراء الفحوصات، لم يتركني أدفع أي أتعاب بل تولى هو الأمر كأني واحد من أفراد أسرته، وتكرّر ذلك، وكان يأتيني بالأطباء من أصدقائه إلى البيت كلما عانيتُ وعكة صحية.

عبد العزيز كحيل



 

سافرت معه أكثر من مرة فكان نعم الصاحب في السفر، وتقاسمنا أحداثا كثيرة متنوّعة فكان صاحب إيجابية وأخلاق كريمة وعطاء وبذل، أعلم ربما أكثر من غيري أنه كان نعم المعين لكلّ محتاج ومغبون ويتيم ومريض، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، مع ميل واضح لصدقة السرّ والإنفاق النافع المتكتم.

تعرفه المدينة كلها، برجالها ونسائها، كتاجر صدوق أمين، سهلٍ إذا باع وإذا اشترى وإذا تقاضى، مع شيء من الحدّة في الطبع -وهل هناك من إنسان كامل بين البشر غير الرسول صلى الله عليه وسلم؟ - لكنها حدّة يغطيها فيض أخلاقه الرفيعة، "والماء إذا بلغ قلّتين لم يحمل الخبث" كما يقول الفقهاء، وقد كانت جنازته استفتاء شعبيا أعلن فوزه برضا الناس وتجاوزهم عن زلاّته، أحسوا أنه قد ترك فراغا يصعب ملؤه في دنيا طغت فيها الأنانية والشحّ والسلبية القاتلة.

ما عاش لنفسه فحسب قط بل كان يحمل همّ الإسلام والأمة والدعوة، شديد التأثر بما يصيب المسلمين هنا وهناك، يحسّ محاوره أنه يغلي كالمرجل تحرّقا على أحوالهم، كيف لا وهو ابن الحركة الإسلامية الواعية العاملة منذ شبابه الأول، تربى في الحلقات المسجدية الهادئة الهادفة ونهل من منابع العلم النافع وارتوى من حقائق القرآن والسنة، عندما أصيب قلبه بالمرض تيقنتُ أن جزءا من ذلك سببُه الهموم والمآسي التي حلّت بالأمة وتراجعُ الصحوة المباركة واستفحال الاستبداد والجهل والفساد وما يلاقيه العلماء والدعاة والمصلحون وجماهير المسلمين من ظلم وعدوان وعنت في أكثر من بلد عربي، فكيف يحتمل ذلك قلبٌ عامر بالإيمان؟

كان دائم المتابعة للشأن الفلسطيني، شديد التأثر بالشيخ أحمد ياسين رحمه الله، كما كان شديد التوقير للعلماء العاملين وعلى رأسهم الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي، وأذكر أننا تعلمنا من دروس هذا الأخير سيرة السلطان المجاهد نور الدين محمود زنكي فأُعجب به كثيرا وأطلق اسمه على ابنه الصغير تيمّنا به.

زرتُه في بيته فألفيتُه مريضا، وأمضيت معه ساعة من زمان ولمّا استأذنته للانصراف استبقاني لكني اعتذرت بأعمال في انتظاري ووعدته بمعاودة الزيارة قريبا، وبعد ثلاثة أيام كلمته بالهاتف صباحا لأزوره فبادر بأنه سيأتي هو إلى بيتي بعد قليل...وجاءني في سيارته يقودها بنفسه، دخل وجلس على الأريكة وفي صمت تام لحقت روحُه بخالقها، لم أصدق ما حدث واستنجدت بالحماية المدنية فجاء أفرادها على جناح السرعة وحملوه إلى المستشفى لكن قضاء الله سبق.

أبى أشقاؤه وأصدقاؤه إلا أن أصلي أنا عليه، جزاهم الله خيرا، وربما قرت عينُه بذلك.

هكذا اختطف الموت مني صديقا عزيزا عرفتُ فيه الاستقامة والوفاء وطيبة النفس، تغمده الله برحمته الواسعة وجعل الجنة مثواه وألحقنا به ثابتين لا مبدلين ولا مغيرين وأنتب أبناءه نباتا حسنا.

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4978