نوفمبر: عيد الأحياء، والإحياء
التاريخ: 2-2-1438 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


قضت حكمة الله تعالى جلت قدرته، أن يكون يوم الفاتح من نوفمبر 1954، مصادفاً ليوم 30 محرم 1348 من تاريخنا الهجري، فيكون بذلك رمزاً للإحياء الحضاري بأبعد معانيه. كما صادف هذا اليوم، يوم احتفال غيرنا بعيد الأموات La Toussaint، فكان نوفمبر عيداً للأحياء، في مقابل عيد الأموات.



 

 

وهكذا تجلت عظمة الله وقدرته بعدله على غيرنا من الظالمين، وهم يحيون ذكرى الأموات، فكان ذلك إيذاناً ببداية المأساة عندهم وبالمزيد من الأموات، والويلات، والنكبات. كما تجلت قدرته تعالى بفضله على قومنا المظلومين المضطهدين، فكان يوم الأموات عند الظالمين هو يوم الأحياء عند المظلومين، وما ظلم الله الأولين، ولا حابى الأخيرين، وإنما هو عدل الله، وفضله، أعلن بداية انتصار المظلومين، وبداية انكسار الظالمين ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ [سورة الشورى، الآيتين 41/42].

بدأ السجال –إذن- في هذا اليوم بين الحق والباطل، وبالرغم من قلة سلاح المظلومين –مادياً- وقوة سلاح الظالمين، عتاداً، وزاداً، وإمداداً، إلا أن الغلبة كانت، وفق سنّة الله العادلة، للمستضعفين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ﴿وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ.

إن مثل هذه المعاني، هي التي يجب أن نستحضرها ونستلهمها من ذكرى نوفمبر، وقد انقضت عليها خمسون سنة وزيادة، فنعيد قراءة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[سورة الأنفال، الآية 26].

فأين نحن اليوم، بعد أربع وخمسين سنة، من اندلاع جهاد نوفمبر؟ ماذا فعلنا بنوفمبر؟ وماذا فعل بنا وفينا نوفمبر؟

إن الذين عاشوا انطلاقة نوفمبر، وعانوا ويلاتها، واكتووا بجمراتها، ليدركون أن لنوفمبر قيماً سامية عالية، بسط رداءها على كل من انضوى تحت لواء نوفمبر، فتجسدت شجاعة، وصدقاً، وإيماناً، وأماناً، ومحبة، وتضامناً، فكانت الروح الملائكية التي عشناها آنذاك مما ذكرنا بعهد الإسلام الأول، وبهدي من صحابة رسول الله على الله عليه وسلم، حيث كان العدل، والبذل، والفضل.

كنا آنذاك نبالغ في الجزائر، عندما نقارن أنفسنا بالصحابة، فنقول بأننا نحن نمتاز عن الصحابة، لأننا نتخلق في جهادنا وعطائنا، وسلوكنا، برسول الله، دون  قرآن ينزل علينا، ولا رسول بيننا، يذكرنا إن نسينا أو أخطأنا، وما ذلك إلا لما اتسم به شعبنا الجزائري المسلم، من سمو الهمم، ونبل القيم.

واليوم! ألا يحق لنا أن نتساءل، بعد أن نلتفت يمنة ويسرة، من حولنا، وداخل محيطنا الاجتماعي، فيصدمنا هذا القحط الفكري في السلوك والمعاملة، وهذا الجفاف الذهني في الإيمان، والمجاملة. كيف غزانا الفسق والفجور، واستبد  بنا الغدر والنفور، وعمنا الويل والثبور؟

لماذا نأينا عن قيم نوفمبر النبيلة؟ وخنا مبادئه الجليلة؟ واتخذناه مطية لتحقيق أغراضنا الذليلة؟

أين هي أمانة نوفمبر في تسيير الأموال والأعمال، وقد كنا –خلال الثورة-مضرب الأمثال، نجمع المال، ونوزعه، دون أن ننقص منه فلساً واحداً، ولا رقيب عليه إلا الله؟

وأين قيم نوفمبر في تسيير أعمالنا، وقد كانت آية الشورى هي التي تحكمنا، وقيمة المصلحة العليا هي التي تحدد مقاصدنا؟

لقد سطا على نوفمبر، انتهازيون، ووصوليون، وانتفاعيون، ركبوا حصانه بغير استحقاق، وحملوا عنوانه، وكل همهم الارتزاق. ليت النوفمبريون الحقيقيون، الأحياء والأموات منهم، يعودون اليوم، ليذكروا ماذا فعل الانتحاليون، والمرجفون بنوفمبر؟ فقد أطفؤوا شعلته، وشوهوا سحنته، وبددوا شحنته، وخالفوا شريعته وسنّتة.

كان هدف نوفمبر، كما خطط له الماهدون، بالقلم والعلَم والهمم، أن يكون عنواناً للأحياء، فينعم الجميع، في ظل حصاده وسداده، بالحياة الحرة الكريمة، والسيادة الوطنية العظيمة، يسودنا الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، والتربوي، والأخلاقي.

كما نتخذ من نوفمبر المجيد، منهجية للإحياء الحضاري، الذي يتبوأ فيه الدين الإسلامي الصحيح مكاناً عليا، ويحتلّ فيه التأصيل الثقافي الوطني، موقعاً جلياً أبياً، ويبني المواطن في ظله، وطناً سعيداً هنيا. فأين نحن من كل هذه الأماني؟ سيقول البعض بأننا بنينا المصانع والجامعات، وأعلينا الصوامع والعمارات، وشيدنا المجامع والوزارات... وكل هذا واقع لاننكره.. ولكن العبرة بما يشعر به المواطن من أمن وأمان، ومن راحة نفسية واطمئنان، فالمعيار والجامع لتنميتنا، وتقدمنا، ووفائنا لنوفمبر، هو اختفاء البطالة من صفوفنا، وغياب التطرف والتشدد والإقصاء من عقولنا، ونفوسنا، ورؤوسنا.

فعندما لا يطفح شبابنا تحت طائلة البأس واليأس، إلى اتخاذ السلاح وسيلة للانتقام، وعندما لا يقبل أبناؤنا على مغامرة البر والبحر، بدافع الاستجمام، عندها نقول بأن وعد الله فينا قد تحقق، بأن جعل من نوفمبر وجهاده، وقيمه ومبادئه، وسيلة للأحياء، في ظل العزة والكرامة، ومنهجية للإحياء في ظل السيادة، والاستقرار والاستقامة. ويومها –فقط- نقول بأن هدف نوفمبر في الإحياء، وللإحياء، قد تحقق.



27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4984