لعن مروان بن الحكم: النصوص والمقاصد3
التاريخ: 15-2-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


أخرج الإمام أحمد(11/71) والبزار في البحر الزخار (6/344) عن عبد الله بن عمرو قال: "كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني، فقال ونحن عنده: ليدخلن عليكم رجل لعين، فوالله ما زلت وجلا، أتشوّف داخلا وخارجا حتى دخل فلان، يعني الحَكَم". قال البزار عقب إخراجه: " وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو بهذا الإسناد". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد(5/241) "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح". وقال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (7/720)"قلت: وهو إسناد صحيح على شرط مسلم".



وأخرج الإمام أحمد(26/51) والبزار أيضا في البحر الزخار (6/159) عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير-وهو مستند إلى الكعبة- وهو يقول: "ورب هذه الكعبة لقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلانا، وما ولد من صلبه".

قال البزار عقب إخراجه: " وهذا الكلام لا نحفظه عن ابن الزبير إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".

أورد الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام (2/198) حديث ابن الزبير بلفظ " ورب هذا البيت إن الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم"  وقال: "إسناده صحيح" مع أنه قال في سير أعلام النبلاء (2/108): "... ويُروى في سبّه أحاديث لم تصح..".

وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (4/486): "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم، فقد احتَجّ بجميع رواته".

وهذه النصوص يُفترض أن ينطبق عليها ما انطبق على النصوص السابقة، من عرضها على ما ثبت من مقاصد سيرته، ومعارضتها لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عفّة في اللسان وطهارة في الجنان، غير أن الوصف بالصحة الذي اكتسبه هذان النصان لم يتوفّر للنصوص السابقة، وهو أمر مشكل: أن نخالف العلماء الذين سبق ذكرهم، من مثل الذهبي والهيثمي والبوصيري وابن حجر في المتأخرين،  وأحمد شاكر والألباني والأرنؤوط في المعاصرين !

ولتوضيح الأمر يمكن الإجابة بما يأتي:

أولا: لو ثبت أن هناك مقصدا في أمر ما، وعارضه نص حديثي صحيح، فالترجيح للمقصَد، باعتباره قطعي الثبوت، لِما ظاهَر المعنى من نصوص عديدة رقّته إلى هذا المستوى، على حساب نص جزئي، غاية أمره -إذا صحّ- أن يبقى في حدود الظن، وقد أصّلوا للترجيح -عند المعارضة- بما هو أدنى من هذا، فردّوا الحديث الذي يخرجه أصحاب السنن والمسانيد إذا عارضه ما وُجد مخرَّجا عند البخاري أو مسلم.

ثانيا: العلماء الذين نقلنا تصحيحهم للحديث تميّزوا بالدقة في التعبير، حين نصّوا على صحّة السند وثقة رجاله، ولم يذكروا التصحيح بإطلاق، وفرق بين الأمرين، قال ابن الصلاح في المقدمة (38): " قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد دون قولهم: هذا حديث صحيح أو حديث حسن، لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصحّ، لكونه شاذا أو معللا، غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد، ولم يذكر له علّة (أي خفيّة) ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر".

ويبدو أن كثيرا ممن ترجم للحَكم أو أتى على ذكره قد تعامل مع مسألة اللعن على أنها حقيقة ثابتة ! فهذا ابن الأثير في أسد الغابة (2/48)يقول: "..وقد رُوى في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة، لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبي صلى الله عليه وسلم مع حلمه وإغضائه على ما يكره، ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم.." وقد جهد بعض المعاصرين في تصحيح الحديث، من خلال تقوية الخبر بالشواهد. (انظر مثلا الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة:7/720).

ثالثا: ذكر ابن حجر في الإصابة (8/350) في الصحابة "هند بنت الحكم بن العاص بن أمية الأموية، ابنة عمّ عثمان بن عفان، وأخت مروان، ذكر الزبير بن بكار أن عبد الرحمن بن سمرة العبشمي الصحابي المشهور تزوجها فولدت له أولادا، وهي ممن ولد قبل موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم".

والسؤال: ما ذنب هذه الصحابية؟ حتى يلعنها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي في صلب أبيها،  وكيف لصحابي مشهور أن يتزوّج امرأة ملعونة؟

رابعا: أشار أكثر من واحد ممن ألّفوا في الصحابة إلى نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم للحَكم بن أبي العاص، ونقل بعضهم عن الطبراني في المعجم الكبير (3/214) من حديث حذيفة قال: "لما ولي أبو بكر كُلم في الحكم أن يردّه إلى المدينة، فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال الذهبي في السير (2/107): " من مسلمة الفتح، وله أدنى نصيب من الصحبة، قيل: نفاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، لكونه حكاه في مشيته، وفي بعض حركاته، فسبه وطرده، فنزل بوادي وجّ، ونقم جماعة على أمير المؤمنين عثمان كونه عطف على عمه الحكم، وآواه، وأقدمه المدينة، ووصله بمائة ألف". ويلاحظ أنّ الذهبي استعمل في سوق خبر النفي صيغة التضعيف: "وقيل".

 وقال ابن الأثير في أسد الغابة (2/48):.." ولم يزل منفياً حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ولي أبو بكر الخلافة، قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة، فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك عمر، فلما ولي عثمان رضي الله عنهما الخلافة ردّه وقال: كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعدني برده". وقال الذهبي في السير(3/477)-في ترجمة مروان بن الحكم-: " وكان أبوه قد طرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ثم أقدمه عثمان إلى المدينة، لأنه عمه".

والسؤال مرة أخرى: كيف لعثمان رضي الله عنه وهو مَن هو في الصحبة والفضل أن يشفع لشخص لعنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ وأن يردّه إليها بعدما نفاه الرسول نفسه؟

 

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4996