القرآن.. المعجزة الخالدة
التاريخ: 15-2-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


كان العرب في جاهليتهم يفخرون بلغتهم إلى حدّ يندُّ عن كلّ وصف، لأنه لم يكن لهم شيء في الواقع يتباهون به غير لغتهم وفصاحتهم وبيانهم..وفجأة شاء القدر الأعلى أن تنزل الخلاصة الأخيرة للوحي الإلهي الكريم، بهذه اللغة، التي أصبحت منذ تلك اللحظة الزمنية جزءاً لا يتجزأ من الوحي ومن الإعجاز. كما قال الله تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (سورة يوسف: 3).            

بقلم: د. إبراهيم نويري



وبما أن المعجزة تكون غالباً من جنس ما هو سائد في بيئة النبي المرسل، فقد تحدى الله تعالى العرب، وهم أهل الفصاحة والبيان بالقرآن كله على رؤوس الأشهاد بأن يأتوا بمثله، قال تعالى :{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}(سورة الطور:33/34). وقال أيضا:{ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}(سورة الإسراء: 88 ) ..فعجزوا عن الإتيان بمثله.

 

ولما كبّلهم العجز عن هذا، فلم يفعلوا ما تحداهم به، جاءهم بتخفيف التحدي، حيث تحداهم بعشر سور من مثله. قال تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}(سورة هود: 13/14).

ثم أرْخَى لهم حبل التحدي، ووسّع لهم غاية التوسعة فدعاهم متحدياً بأن يأتوا بسورة واحدة، ولو كانت من قصار السور. قال تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(سورة يونس:38).

وبذلك ثبت لديهم بأن القرآن إنما هو من عند الله، فدخلوا في دين الله أفواجاً إلاّ قلة من المعاندين والمتخوفين على زوال سلطانهم ومكانتهم بين قومهم!!

يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "إنْ شئت أن تُشعرَ سمعكَ وذوقكَ بالفرق بين نَظم الكلام البشري ونَظم القرآن، فائتِ بقارئ حسَنَ الصوت، يُسمعكَ بعضَ أشعار الـمُفلقين ( المبدعين ) وخطبَ المصاقع المفوّهين، المتقدمين والمتأخرين، بكلّ ما يستطيع من نغم وتحسين..ثمّ ليتْلُ عليكَ بعد ذلك سورَ القرآن المختلفة النّظم والأسلوب كسورة النجم وسورة القمر وسورة الرحمن وسورة الحديد وسورة الواقعة ـ مثلا ـ ثم حَكَّمْ ذوقكَ ووجدانكَ في الفرق بينها في أنفسها، ثمّ في الفرق بين كلٍّ منها وبين كلام البشر، في كلّ أسلوب من أساليب بلغائهم، وتأثير كلٍّ من الكلامين في نفسك، بعد اختلاف وقعه في سمعك..ثمّ تأمل المعنى الواحد من المعاني المكرّرة في القرآن لأجل تقريرها في الأنفس ونقشها في الأذهان، كالاعتبار بأحوال الرسل مع أقوامهم من مختصر ومطوّل، وافطن لاختلاف النّظم والأساليب فيها"(تفسير المنار، ج1، ص 200).

هكذا هو القرآن المجيد يجتاز الأحداث والأحقاب والدهور ويواكب الأجيال والعصور، لكن هيهات أن يخفت له صوت أو يخبو له نور..إنه كتاب سيظل أبد الدهر ـ ما بقي متنفس من الحياة ـ ينبوع إلهام ومَشرق هداية، ومصدراً ثراً لاقتباس القيم والمثل الرفيعة، واستلهام الأحكام الراشدة في شتى مجالات ومتطلبات الحياة والأحياء. فهو كتاب الحياة المفعمة بالحركة المتجدّدة على مرّ الدهور وتعاقب الأزمنة؛ أو قل إنه كتابٌ يستحيل عزله عن الحياة، ذلك أن الحقائق التي حواها لا يطالها التغيير، لأنها من القبيل المقطوع بصدقه، سواء منها ما تعلق بالكون وأسراره، أو ما تعلق بتاريخ الأمم الغابرة، أو ما تعلق بسنن الازدهار أو الانهيار..وما إلى ذلك من مجالات. وهذا معنى خلود القرآن. لأن معارفه ليست كالمعارف التي يلحقها الخطأ والصواب، بفعل طروء التغير عليها. بل هي من القبيل الذي ثبتت صحته التامة، فهي كقولنا مثلا " إن النقيضين لا يجتمعان "، و "أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان " .. فهذا الثبوت لا يتفاوت على اختلاف الليل والنهار، وهو بعد عشرة قرون مثله قبل عشرة قرون .

وصدق الله العظيم القائل عن كتابه العزيز الخالد:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}(سورة النساء: 82) ...".

إن إعجازه يُثبتُ مصدريتَه الإلهية..وهذا معنى وصفه بأنه كتابٌ أُحكمتْ آياته. والحمد لله أولا وآخراً..وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين.

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4998