ونحن ماذا فعلنا؟
التاريخ: 15-2-1438 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


وأنا أتابع ما تنشره المواقع عبر المنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي، والصفحات الخاصة لبعض المثقفين من الإعلاميين والروائيين، لفت انتباهي عنوان يتكلم عن رجال ثورة أول نوفمبر، يقول هؤلاء أشعلوا ثورة وأنت ماذا قدمت؟ فكان وقع هذا التساؤل على النفس: ماذا قدمت؟ وكأنه تساؤل جديد علَيَّ لم ألتق به من قبل، رغم أني دائما أتساءل سواء بيني وبين نفسي أو فيما أكتب للناس، هل استكملنا ما علينا من واجبات حتى يمكننا الله من حقوقنا الضائعة؟



قلت في نفسي: إي والله وماذا فعلنا نحن؟ وماذا قدم جيل الاستقلال إلى اليوم منذ أكثر من نصف قرن؟

السلطة تقول إنها حققت مكاسب..، خلال نصف القرن هذا، ولكن هذه المكاسب ليست محل إجماع بين كل فئات الشعب الجزائري، ولا بين المسئولين عن تسيير هذه السنوات، إذ الكثير من أبناء الشعب لا يشعرون بذلك المستوى من المكاسب التي تتحدث عنها السلطة؛ بل إن بعض المسئولين يتحلل من كل سلبية لم تكن في عهده، ولا يعتبر نفسه مسئولا عنها، ولكن مع ذلك لا أحد يتساءل التساؤل المشروع، لماذا لم تكن هذه المكاسب المعلن عنها غير حقيقية؟ أو لماذا هي ضعيفة أو منقوصة؟ بل ماذا علينا نحن كشعب وكسلطة أن نفعل؟ لأن المتابع لواقعنا السياسي اليوم يلاحظ شَبَهاً كبيرا بينه وبين أزمة الحركة الوطنية قبل الثورة، وأزمات الثورة بعد ذلك أيضا، حيث كانت القوى الوطنية متنازعة فيما بينها حول ما ينبغي فعله للحصول على الاستقلال، فذهبت كل مذهب، واختلفت في كيفية تحرير البلاد، انطلاقا من الاختلاف في الأشخاص وفي الأفكار وفي المناهج، وتصارعت وتنازعت؛ بل وصل بها الاختلاف إلى حرب الزعامات والأهواء والتقاتل..، ومع ذلك كانت الثورة التحررية الكبرى، التي أشعلها مجموعة من شباب الحركة الوطنية، وتجاوب معها كل من يحمل في نفسه روحا جهادية، تؤمن بالنصر والشهادة معا في كل ما تقول وتفعل.. وانتصر الشعب الجزائري المسلم المظلوم على النظام الفرنسي الصليبي المستعمر بفضل الله وبعدالة القضية.

وكذلك اليوم تمر بلادنا بما يشبه تلك المرحلة من تاريخنا، مع فارق مهم بطبيعة الحال وهو أننا اليوم في ظل الاستقلال، بينما الأمس كان القوم تحت وطأة نظام استعماري كاتم للأنفاس.

ورغم أن الجميع متفقون على أن هناك أزمة متعددة الجوانب وهم مختلفون، سلطة وأحزابا وجمعيات ومثقفين، حول الحلول المقترحة لتجاوز هذه الأزمة..فإن الواقع لا يوحي بوجود أحد يملك القدرة على الخروج بمشروع ينقذ البلاد والعباد من الورطة التي نحن فيها.

إن أزمة الحركة الوطنية أشعلت الثورة على يد مجموعة من الشباب غاضبة على الجميع، على الطبقة السياسية التي سمحت لنفسها بالصراع على الزعامة وبتراشق التهم وبالتأويلات الخاطئة للمواقف والمقترحات والحلول، وغاضبة على العالم الذي لم يحرك ساكنا رغم استنجاد الشعب به عبر مثقفيه ومناضليه، ومستهجنة لبلادة الاستعمار الذي لم يتعظ بما حوله من تغيرات في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم تسمح له عنصريته بأن يعتبر الجزائري إنسانا مثل سائر البشر..أشعلوا الثورة، ولم ينتظروا من أحد أن يأذن لهم بإشعالها؛ بل غامروا بإشعالها لإجبار الكل على الالتحاق بها...

أما نحن اليوم..فأحزابنا لا تزال تراوح مكانها، فلا مقترحات وطنية قوية ولا مبادرات جادة ولا قوى سياسية فاعلة..كل ما هنالك أن هناك أحزابا وجمعيات ومجموعات من المثقفين والإعلاميين، يتداولون معلومات وتحاليل لا توقظ نائما ولا تشغل منتبها.. أما الشباب الذي هو طاقة الأمة، فمكسور الخاطر، يائس مستسلم للواقع، وغير قادر على فعل شيء؛ بل يعتبر نفسه عاجزا عن فعل شيء، متحججا بأنه لم يترك له المجال، أو لم يسمح له بفعل شيء، أو يريد أن يفعل شيئا ولكنه غير قادر لسبب من الأسباب.. وكأن الذين تركوا بصماتهم في التاريخ انتظروا حتى يؤذن لهم..

فلو قارنا واقع شبابنا اليوم مع الشباب الذين أطروا الثورة، لوجدنا بونا شاسعا، فيما بين الفريقين من فوارق في الإمكانيات والفاعلية والطموح... فأولئك إمكاناتهم محدودة جدا، فقراء لا يملكون مالا ولا متاعا، متواضعون في مستوياتهم التعليمية، ثقافتهم متواضعة، ولكن ما يحركهم هو الإيمان بالقضية، فقضية الاستقلال هي قضيتهم جميعا.. أما شبابنا اليوم فأقلهم غير محتاج أي مكتف، ومستواه التعليمي لا بأس به، ما بين الثانوي والجامعي، ولكنه لا يشعر بأنه مسؤول على النهوض بالبلاد؛ بل ربما ألقى بالثقل على غيره من المؤسسات الرسمية والشعبية، ولذلك كان أولئك على قدر كبير من النشاط والفاعلية، ومن ثم في مستوى عال من الطموح.. وأبرزه الإيمان بهزيمة فرنسا والحصول على الاستقلال، ونحن على قدر لا بأس به من السلبية، ومن ثم لا نؤمن بأننا يمكن أن نتغلب على متاعبنا التي نعاني منها اجتماعية وثقافية وسياسية، فضلا عن أن نؤمن بأننا يمكن أن نتغلب على قوى هذا العالم المتعجرف {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}[الرعد11].



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5001