الفرِحون بفوز ترامب !!
التاريخ: 23-2-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


      كتبتُ قبل بضعة أشهر عن الفرِحين بالانقلاب التركي، واليوم أكتب عن الفرحين بفوز ترامب! فماذا أصاب الأمة حتى ترتكس ذوقا وفكرا وهمّة وضميرا إلى هذا الحضيض؟

     هل بلغت العداوة والبغضاء لدى هؤلاء وأولئك من الفرحين بما يُغيظ، الشامتين بما يعاب، حدَّ التهليل لكل بلية تحل بالخصم الفكري أو السياسي أو المذهبي، ولو كانت هذه البلية من الفتنة التي قال الله عنها:{وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً

أ.د. عبد الملك بومنجل



 

 

     هل بلغ الحقد واللؤم بهؤلاء وأولئك حدَّ الترحيب بالمصيبة تصيبُ جانبَهم لمجرد أن الجانب الآخر (الخصم السياسي الداخلي) قد يصيبه من هذه المصيبة ضِعفان، على منوال ما صنع ذلك اللئيم الذي عرض عليه السلطان أن يجازي أخاه ضعف جزائه، فاختار أن يكون الجزاءُ سملَ عينه ليفرح بأن يكون جزاءُ أخيه سملَ عينيه كلتيهما؟!

     لقد قرأنا وسمعنا من التعاليق والتحاليل بمناسبة فوز المرشح دونالد ترامب برئاسة أمريكا ما يملأ النفس دهشة ومرارة، وسخرية واحتقارا!

    قد علِم الناس جميعا أن ترامب أشد ولاء للكيان الصهيوني من أي مرشح سابق، وأشد صراحةً في العنصرية على المسلمين من أي رئيس فائت، وأكثر تهديدا لطرفَي الأمة المتنازعين من أي مهدد متوعد؛ فكيف يُغض الطرف عن كل هذا، ويعبّر قومٌ، في القاهرة وطهران وبيروت، عن ترحيبهم بفوزه، بل وفرحهم بقدومه، واحتفائهم بوعيده، لمجرد أن لهم خصوما من العرب المسلمين، صوّر لهم الحقد الأهوج أن مجيء ترامب رئيسا لأمريكا سيكون وبالا عليهم؟! 

       سمعنا أحد مجانين الإعلام في القاهرة يعبّر ببلاهة منقطعة النظير عن سعادته بفوز ترامب، وعن تقديره الشديد لشخصه، متناسيا كل شيء سوى رغبته الجامحة، ويقينه الساذج، بأن أول شيء سيقرره ترامب هو إعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية !

         وقرأنا لصاحب جريدة "رأي اليوم" الإلكترونية تحليلا مغلّفا بالفرح، ملفّعا بالترحيب، يقرر أن أكبر الرابحين من فوز ترامب هم "بوتين" روسيا، و"بشار" سوريا، وعبد الفتاح السيسي، ثم طهران بدرجة أقل؛ وأن أكبر الخاسرين هم المعارضة السورية والسعودية، ولم يتحقق من خسارة الفلسطينيين (!)؛ وما كان هذا الفرح وهذا الترحيب إلا لأن الرئيس الذي توعد بتحويل عاصمة الكيان الغاصب إلى القدس، وعد بالحفاظ على سلطة "بشار"، والتركيز على محاربة "الإرهاب" الإسلامي في كل مكان !

      كأن نظام "بشار" أقدس من القدس ذاته؛ فلتذهب القدس إلى الجحيم ! كأن إغاظة السعودية وتهديدها والتشفي فيها هو غاية الغايات وأسنى المقاصد، ولو كانت الكلفة استمرار القهر والغصب وهدر الدماء ونهب الخيرات ! 

     وفي إعلام طهران لم نسمع غير الحديث الفرِح المتشفي عن "الهلع" و"القلق" و"الخوف" و"الرعب" الذي أصاب السعودية من فوز ترامب! وكأن احتمال تأذي السعودية من هذا الفوز هو بلسم يمسح الجراح الإيرانية بما في ذلك جرح الاتفاق النووي المهدد بالفسخ، وكأنه البشرى يُستَحق لأجلها أن تُنسى فلسطين التي تظل طهران والدائرون في فلكها يزعمون أن دفاعهم المستميت عن "بشار" ليس إلا دفاعا عنها، وحفاظا على روح المقاومة لمغتصبها الكيان السرطاني الذي يتقوى بدعم ما يسمونه "الشيطان الأكبر" !

    بل إن جريدة "السفير" اللبنانية الموالية لإيران ومحورها، تتساءل: "وهل بقيت أمريكا شيطانا أكبر؟"، حيث المعنى: ألا يمكن أن نكف عن تشبيه "الكيان الغاصب" بالسرطان؟.. بل إن أحد كبار المحللين في إعلام "المقاومة" يتنبأ منتشيا، منتفشا، فرِحاً، بأن "شريك أمريكا في الغد هو الإيراني والروسي والسوري وأنصار الله" !!

    مرحبا بالشراكة الجديدة مع "الشيطان الأكبر"، وعقبى لصداقة قريبة مع "السرطان"!  كل شيء يهون في سبيل دحر الإخوة الأعداء، والاستيلاء على مزيد العواصم العربية، والحفاظ على مكاسبَ أنجزَها تكالبُ أعداء الأمة وتحوّلُ المفترَضين حماةً لها وبالاً عليها !

      هل نسي "محور المقاومة" قول نصر الله ذات زمن: إذا رضيت عنك أمريكا فاعلم أنك على خطأ؟ فلمَ يهلل اليوم لرضا رئيس أمريكا الجديد عن "بشار"، ويرى ذلك موقفا دالا على حسن التقدير وحاملا على التفاؤل؟

      لسنا بسبيل لوم الخصم على خصومته، أو تأنيب العدو على السعي إلى ترجيح الموازين لصالحه؛ فذلك شأن الخصوم في كل زمن؛ وإنما نحن بسبيل التنبيه على ما وصل إليه بعض الزاعمين الانتماء إلى الأمة وهم حربٌ عليها، من النزول في سلّم الأخلاق إلى أسفله، والتردي في الانحطاط الفكري إلى أرذله، والهُويِّ من أدنى منصة للمروءة إلى حيث لا مروءة، ومن أقرب مرتَفع للهمة الحضارية إلى حيث لا همةَ سوى أن يصلى عدوُّك القريبُ نارَ عدوِّك البعيد ! وتلك أماراتُ انحدارٍ لا يُرجى معه ارتفاع، وأعراضُ داءٍ خبيثٍ لا ينفع معه دواء. وقد قال المثل الشعبي الجزائري: "خوك خوك، لا يغرَّك صاحبك"، ونحن اليوم نتخلى عن هذا لنقول: "خوك خوك لا يغرّك عدوّك"؛ ولكن، حتى هذه لا سبيل إليها وقد بلغ اللؤمُ من بعض المنتسبين إلى الأمة هذا المبلغ من الرعونة وقلة الذوق!

     عندما تنتفش على خصمك بقوتك فهذا مقبول. وعندما تنتفش عليه بصديقك فهذا معقول. وعندما تنتفش عليه بعدوّه فهذا شنيع. وعندما تهدده وتنتفش عليه بعدوك وعدوّه فهذا منتهى الشناعة !

    







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5007