المتسارعون والمتباطئون
التاريخ: 23-2-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


احتفلنا –أثناء الأيام الأخيرة- بالذكرى الثانية والستين لاندلاع ثورة نوفمبر المجيدة، وجاءت مظاهر ومضامين الاحتفالات في مستوى أهمية الحدث المملوء بالمعاني الإنسانية السامية، من حيث التحرر من الأغلال المجحفة وقيود الاحتلال والتسلط، واشتعال شمعة الحق التي أضاءت أرجاء الجزائر ثم أرجاء واسعة من العالم، وقد عرفت الاستعداد للثورة جهدا ثقيلا وتوعية عميقة بالنظر إلى مدة الاحتلال التي طالت، وإلى ما أصاب المجتمع من تفكك وتعقيد وعزلة عن الحركة الحيوية الدافعة إلى النهوض والتقدم.

قمور إبراهيم



 

وهل نستطيع نسيان بطولة الشهداء؟ هذه الذكرى الخالدة في قلوب وعقول الجزائريين كلهم شهدت هذه المرة ألوانا عديدة من النشاط الفكري والاحتفالي، كما شهدت حوارات ومسرحيات ومهرجانات فنية، جرت تحت إضاءة التاريخ الواقعي لتعكس مقدار التضحيات والآمال والمشاق التي أحاطت بمسيرة ثورة نوفمبر في دروبها الزمانية والمكانية، وفي صراعها مع عوامل العرقلة والعدوان، ومحاولات الاعتداء والتخريب المادي والمعنوي.

ففي موقف إحياء هذه الذكرى تعالت تحليلات وتعليلات، وذهب فيها متسارعون بتصوراتهم وأحكامهم المرتجلة إلى أن الثورة النوفمبرية قد فرغت من دواعي النضال وانتهت منه، وتكتفي بما سجلته من نتائج جديرة بالرضى والابتهاج، وقمينة بالافتخار والإشادة وهي كغيرها من بعض الثورات قطعت أشواطا في مسيرتها ثم انتهت إلى غايتها وبلغت أهدافها القريبة الواضحة، وأهدت للناس بعض ما كانوا يأملونه –يومئذ- من استرجاع سيادة كاملة غير منقوصة، وإحاطة برعاية المقومات الشخصية والوطنية اللازمة لحياة الحرة والسيادة من حيث المكانة الراسخة للوطن والدين واللغة.. وهؤلاء المتسارعون قد أهدوا للناس في تحليلاتهم السريعة ما كانوا ينتظرونه من أمن واطمئنان وسلام وازدهار، وهم لا يكفون عن الشكوى والبكاء على أن هذه الثورة قد انتهت دون أن تحقق المسطر لها من الأهداف، والمحدد لها من الغايات، من ذلك الاستقلال التام والتحرر المادي والمعنوي الكامل، وتوزيع مستحقات العدل ومقاومة الحيف والجور السائد في أنحاء الدنيا بين البشر.

وفي هذا الموثق مبالغة وإسراف في التصور والحكم، لأنه يكاد ينكر نتائج تدل بنفسها على وجودها، ومن أين لهؤلاء البيان والدليل الذي يمكنهم من إصدار حكمهم على أن ثورتنا قد أكملت مراحلها وسخرت كافة طاقاتها، ولم يبق لها من أمر تنجزه، أو قضية تبحث لها عن الحل المناسب.. وهؤلاء –فيما يبدو- يقبضون على الرياح في احتيال عجيب وأحكامهم تشاؤمية وهمية طريفة.

وهناك لحسن الحظ متباطئون يميلون إلى الاعتدال في تصدراتهم وأحكامهم التي يسندونها إلى شيء من حكمة العقل الهادي إلى الصواب والاقتناع، وهم يرون أنه إذا كانت الثروات في العالم قد قامت منذ ثلاثة قرون أو أكثر أو أقل، ولم تنته حتى الآن، ولم تقنع بما أنجزته، وما تزال تواصل طريقها ساعية إلى إنجازات أخرى مسجلة في المواثيق والبيانات التنظيمية والتوجيهية، ومن دون تكثير أو تغطية للنقائص وجوانب التقصير وإضاعة الوقت والمال والجهد، فما تم إنجازه أثناء اثنتين وستين يعتد به ويقدر حق قدره، ويكفي لرؤيته إلقاء نظرات سريعة لرؤية الأحياء السكنية الجديدة وما حولها من بنايات للتعليم والتربية والتكوين، وحقول ومساحات للإصلاح الفلاحي، ومؤسسات لانبعاث الصناعة.

إنها جهود بناءة مستمرة تتواصل لتدل على أن ثورة نوفمبر لم تنته بعد فما تزال متواصلة وهي ظاهرة للعيان في الميادين الثقافية والعلمية والاقتصادية والفلاحية والصناعية بقوة وحماس وبتخطيط متوازن.

وقد كانت مناسبة إحياء الذكرى الثانية والستين لاندلاع الثورة التحريرية فرصة لنوع من التقييم لما أنجزته هذه الثورة في دنيا الواقع، أما المتسارعون فما أسهل ما يلاحظون أن الثورة أتمت مراحلها، وحققت ما قدرت عليه من أهداف وتركت ما عجزت عن تحقيقه لغيرها، ومن الصعب عليها أن تلتزم بأهداف أخرى، وأما المتباطئون فيظهرون اقتناعا راسخا بأن الثورة النوفمبرية لم تنته بعد، وهي لم تحقق إلا بعض الأهداف القريبة، أما الأهداف البعيدة، فما يزال السعي إليها قائما، وإذا كانت الثورات الكبرى لم تنته رغم مرور القرون عليها فلم تنته ثورتنا بعد سنوات قليلة في عمر الزمان، ويبقى أن رأي المتباطئين أصوب وأرجح، وما أروع إحياء ذكريات الخلود المملوءة بالتضحية.







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5008