علاقة السلطة بالمعارضة
التاريخ: 23-2-1438 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


للفعل السياسي ثلاثة أطراف، هي: السلطة والمعارضة وعموم الشعب، فالسلطة مُشَكّلة من منتخبين وإداريين معينين وأجهزة أمنية، ومعارضة متكونة من أحزاب ونقابات ومجموعات ضغط ونخب فكرية وثقافية وإعلامية، أما عموم الشعب فهو: هؤلاء وغيرهم ممن يمثلون الوعاء الانتخابي.



وإذا كان عموم الشعب هو الذي يقرر بواسطة الانتخابات وغيرها من وسائل الرضا والغضب، من يكون في السلطة؟ ومن يكون في المعارضة؟ فإن الجميع تحكمه معادلة واحدة وهي تحقيق مصالح المجتمع والدولة، والعمل على الارتقاء بهما دائما من غير توقف، والسلطة والمعارضة من بين هذه الأطراف الثلاثة، تمثلان العمود الفقري للفعل السياسي في حركة المجتمع؛ لأن الساحة السياسية لا مجال فيها للحياد والتأرجح أو التردد، لاسيما في المجتمعات المتعددة الأعراق والثقافات والتوجهات الفكرية، والعلاقة بينهما علاقة تكاملية، أو هكذا ينبغي أن تكون، باعتبارهما يقدمان خدمة عمومية، إحداهما تقدم هذه الخدمة في شكل ضمانات اجتماعية لأفراد المجتمع وجماعاته، والثانية تقدمها في صورة مراقبة دائمة للواقع ونقده وفرض البدائل الأكثر فاعلية، والتداول بينهما على ممارسة السلطة ومعارضتها فعل مطرد، لا نهاية له إلا بانتهاء حياة الإنسان وحركته الاجتماعية.

على أن هاتين الفئتين قبل أن يكونا سلطة ومعارضة، قد كانا فئة واحدة هي الشعب ونخبه السياسية والثقافية، ولكن بحكم تطور النظم الاجتماعية والسياسية، انقسمت هذه الفئة الواحدة إلى ثلاثة أطراف، انقساما وظيفيا ليقوم الجميع بواجبه كما ينبغي ويهتم بالشأن العام وفق طاقته وإمكاناته، إذ ربما يوجد في عموم الشعب من يصلح لممارسة السياسة في السلطة أفضل من المعارضة، أو يصلح لممارستها في المعارضة أحسن، أو لا يصلح لهما معا، وإنما منبها لا أكثر، فلا يحتاج إلى وجوده في سلطة أو معارضة.

على أن الخدمة الاجتماعية والاهتمام بالشأن العام، لا تخرج في الغالب عن هذه الدوائر الثلاث، دائرة السلطة باعتبارها المسؤول الأول على النظام العام، وهي المطالبة بالأساس بتقديم المشاريع الناجحة، والمكلفة بالنهوض بالمجتمع، وفق مشاريع إصلاحية وتنموية يحتاج إليها المجتمع وأخرى وعدت بها في مناسبات مختلفة، والمعارضة لأنها هي التي تتحمل مسؤولية النضال في المساحات التي قد تغفل عنها السلطة -سهوا وعمدا-، وهي الساحات التي هي خارج الدوائر الرسمية، خارج الإدارة وغيرها من مؤسسات الدولة؛ لأن مشروعها الذي رفضه الشعب أو لم يمكنها من الوصول إلى السلطة يمثل نسبة ما من الصلاحية في خدمة المجتمع؛ بل إن ظهوره وبقاءه واستمراره في الساحة السياسية ضروري لاكتمال صورة المشهد السياسي، الذي يمثل الصورة الكاملة للمجتمع، ومن جانب آخر فإن دور المعارضة إذا لم تستطع أن تكون في السلطة، فهي بالضرورة معارضة لها بالتنبيه والنقد والكشف عن سلبياتها وتقديم البدائل؛ بل والعمل على إسقاط السلطات الفاسدة والفاشلة، أما الطرف الثالث وهو الشعب، فهو الجهة المقصودة بالخدمة، والمعول عليه في ترشيح من يحكمه، بموافقته على هذا المشروع أو ذاك وتزكيته له، ليطبق عليه من قبل الذين انتخبهم وزكاهم..، ورفضه لذلك المشروع الذي لم يرضيه أو أن صاحبه لم يحسن عرضه، فإنه يبقى هو وواقعه هما المعيار لمعرفة مستوى السلطة والمعارضة؛ لأن خدمته وتحقيق مصالحه والحرص عليها هي التي تحدد له الصح أم الغلط، والصالح من الطالح، ومن ثم يبقى عموم الشعب هو المقياس، باعتبار أن ما تقوم به السلطة والمعارضة في نهاية المطاف هو خدمة الشعب، والشعب هو الذي سيصدر أحكامه على هذه الفئة أو تلك...ولذلك يقال في السياسة أن الوعاء الانتخابي متغير غير ثابت..، فالفئة التي تسببت في وصول فئة إلى السلطة في مناسبة ما، قد تكون هي العائق لها في مناسبة أخرى، لمتغيرات ما حصلت، منها الرسوب في ممارسة السلطة، وكذلك المعارضة قد تفقد بعض مناضليها لأنها انحرفت عن مناهجها النضالية.

إن العلاقة بين السلطة والمعارضة، رغم أنها تبدو وكأنها عداوات مستمرة، فإنها تمثل العلاقة التفاعلية بين الطريفين؛ لأن المشاريع السياسية المعروضة على المجتمع، هي مشاريع يرضى عنها الشعب وبالتالي تصل إلى السلطة، أما المشاريع الأخرى التي لم تزك ولم تحصل على قدر من الثقة يمكنها من الوصول إلى السلطة، فلا يسعها إلى معارضة السلطة، بما تملك من برامج ومشاريع مخالفة، والضغط عليها بما هو أجدى وأصلح وأنفع للمجتمع، فيبقى التنافس قائما والمفاضلة مستمرة بين المشاريع، ولا تقف عند نهاية الانتخابات ووصول البعض إلى السلطة، وحرمان البعض الآخر من الوصول إليها.. وذلك للأسباب التالية.

1.   ذكرنا في حديث سابق أن جوهر الفعل السياسي هو مطلق الاهتمام بالشأن العام، وذلك لا يسمح بإقصاء أحد أو فئة لمجرد أنه لم يفز بالانتخابات، فإذا فاز بالانتخابات سوف يمارس السياسة بوصفه في السلطة، وإذا لم يفز، يمارسها بوصفه معارضا؛ لأنه يحمل مشروعا يراه مناسبا للمجتمع الذي يريد خدمته.

2.   نسبية النتائج الانتخابية؛ لكونها ليست المعبر الحقيقي عن الساحة السياسية، سواء بسبب ضعف مستوى المجتمع الثقافي أو عجز السياسي على إقناعه بمشروعه، إضافة إلى أن النسب الفارق بين الفئات المتنافسة معتبرة في التقديم والتأخير.. فعندما كون الفرق بين الفائز وغير الفائز بانتخابات ما بسيطة، فإن الفرق بين الراضين والساخطين عن الجهتين تكاد تكون واحدة، مثل أن يكون نسبة الفوز 51 بالمائة مقابل 49 بالمائة مثلا... الفرق بسيط ولا يعتبر فرقا، ومن ثم فإن بقاء الذي لم يفز في الساحة معارضا أنفع للمجتمع من اختفائه.

3.   نجاح المجتمع سياسيا مرهون بمستوى تأطيره، لأن المجتمع المؤطر في جمعيات وأحزاب ونقابات، يكون عطاؤه أفضل وأنفع وأرفع من المجتمع الفوضي الذي يحمل عددا من التصورات للدولة والممارسة السياسية بعدد سكانه.

وعندما تفتقد هذه الشروط الضرورية في العلاقة بين السلطة والمعارضة، فإن مصالح المجتمع تتعطل؛ بل إن المجتمع نفسه يعجز عن معرفة الأسباب الحقيقية لتعطيل المصالح، ومن ثم تخفى عليه الحلول والعلاجات، ولتفصيل ذلك نحتاج إلى حديث آخر نرجئه إلى يوم آخر إن كان في العمر بقية.     



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5011