التعصّب داءٌ وبيل
التاريخ: 29-2-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


يتحدث علماء النفس والاجتماع عن التعصُّب، ويقولون: إنه صفةٌ خطيرةٌ ومذمومة..وذلك بالنظر لما يترتب عليه كصفة نفسية وحالة شعورية ثابتة غائرة من انعكاسات سلبية، قد تكون عواقبها شديدة الخطورة، بالغة السوء، سواء على مستوى الشخص المتعصِّب نفسه، أو على مستوى محيطه الاجتماعي.

بقلم :د .ابراهيم نويري ـــ باحث أكاديمي 



 

إن التعصب في حقيقته يعني الجمود على فكرة واحدة، أو على رأي واحد، سبق إلى النفس والضمير بطريقة أو بأخرى، فأحدث حالة عجيبة من الاستغلاق، يصبح المتعصّب حيالها لا يقبل الجدل أو لا يقبل وجهة نظر أخرى، مهما كانت وجاهتها أو مهما بلغت منزلتها العقلية والفكرية والواقعية والمتعصِّب لا يرفض عن اختيار وموازنة، بل يرفض تعبيراً عن حالة الاستغلاق التي أصابت عقله، فجعلته مشلولاً عن النظر الحصيف والتدبّر الذكي.

لذلك شَنَّ القرآن الكريم حملة على أصحاب الإيمان  التقليدي الموروث، لأنه عملة غير صالحة للتداول، فهو لا يفيد صاحبه، ولا ينفع مَنْ يحيطون به، وهذه هي المسافة الحقيقية التي تفصل بين التعصُّب الممقوت وبين العقيدة الصحيحة...فالتعصب للحق الذي ثبت باليقين الجازم فضيلة ومكرمة، أما الانغلاق على الموروث المتناهي للعقل دون تمحيص حصيف، أو موازنة سديدة، فهو بلا ريب عيب ومنقصة لا تليق بمنزلة العقل الذي كرَّم الله تعالى به بني البشر·

لكن هناك منطقاً آخر أو مظهراً آخر لهذا الاستغلاق البغيض، إنه منطق الفَرْعنة المقلِّبة للحقائق، ونحن نرى صورة دقيقة لهذا المنطق في الحوار الذي دار بين نبي الله موسى -عليه السلام- وبين الطاغية فرعون!! إن موسى طلب طلباً محدَّداً:{فَأَرْسِلْ  مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}[طه:47].

لكن فرعون يرد على هذا الطلب المحدّد بقوله:{أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ}[طه:57 ].. إن موسى-عليه السلام – يوضح قصده: لا تخرج أنت من أرضك...لكنني أنا الذي أخرج من الأرض بقومي..بيد أنّ العناد له منطق آخر، إنه منطق تقليب الحقائق، منطق جعل البريء متهماً، والمتهم بريئاً!!

الحق أن هذا المنطق المعوج، نجده دائماً لدى المستبدين الكارهين للحق ولحقوق الناس في كلّ زمان وفي كلّ مكان..وبما أن من أهم ميزات وخصال هؤلاء المستبدين انطماس البصيرة وتكلّس الإحساس واعوجاج المنطق، فإن رؤية الواقع على حقيقته الماثلة، تكون عندهم معدومة أو مضبّبة في أحسن الأحوال.

إن المنطق التعصبي الاستعلائي البغيض، لا يتغيِّر لدى أعداء الحرية، مهما تغير التاريخ، ومهما تبدَّلت الظروف المؤثرة في الحياة والعلاقات الإنسانية إنه منطق عجيب، يجعل الحليم حيراناً، والحكيم مشدوهاً.

لكن المؤكد أن مصارع المستبدين ونهايتهم تكون دائما وخيمة مأساوية..إلى جانب تجرّعهم مرارة ملاحقة اللعنة التاريخية الأبدية. ولا غالب إلا الله...والله وليّ التوفيق.

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5017