حول مقولة: القرآن من التلاوة إلى القراءة
التاريخ: 29-2-1438 هـ
الموضوع: تاريخ و حضارة


عندما فشل التيار العلماني في محاربة الدين، وتأكد أنّ مجهوده في إزاحة الثقافة الدينية من المجتمعات العربية والإسلامية، ضرب من العبث الفكري والمعرفي، الذي لا يجدي نفعاً ولا يحرك أبسط الأبجديات الدينية عن مكانتها في وعي الإنسان المسلم البسيط، توجه هذا التيار -وبإيعاز من دوائر الاستشراق- إلى اتجاه جديد في التعامل مع قضايا الدين والتراث حيث يتم العمل داخل الثقافة الدينية وليس من خارجها، فتوجه بعض الكتاب نحو الاشتغال بالنّصوص الدينية، انطلاقاً من رؤية معادية لأساس الدين، مفادها أنّ الدين يشكّل وجهاً مخالفاً للحداثة، وهي رؤية مقبولة داخل المجال التداولي الغربي، بل هي الحقيقة التي دفعت بعصر الأنوار في الغرب، عندما طغت وتجبرت الكنيسة، لكن الأمر يختلف اختلافاً جذرياً في المجال التداولي العربي الإسلامي...



ليس غرضنا من هذه المقدمة أن نردّ على مقولة "فصل الدين عن السياسة" التي يرفعها تيار العلمنة، بل جئنا بهذه المقدمة لنعرف أين تتموضع هذه المقولة -القرآن من التلاوة إلى القراءة- في فكر هذا التيار، فالمقولة التي يرددها العلمانيون كثيراً وخصوصا المفكر التونسي يوسف الصديق، تختصر الكثير من الجدل العلماني الذي ظلّ -وما يزال – يدعو إلى تأويل النّصوص الدينية، ويرى أنّ الكثير من المسائل التي تتعلق بالمجتمع والدولة لن تحسم إلاّ ضمن دائرة التأويل والقراءات المتعددة للنّص، الذي يتحكم في مسار العقل العربي والمسلم.

وببساطة شديدة تعني هذه المقولة إخراج النّص(القرآن) من إطاره الديني التعبدي، ليصبح نصاً مفتوحاً، يتحمل القراءات المتعددة، التي تخدم الجانب المعرفيّ والعلميّ، وتوسع من مفاهيم الاشتغال بمسائل الدين وما يتعلق بالعقائد والغيبيات، ومن ثمَّ يمكن حصر وظيفة النّص فيما يتعلق بمسائل الآخرة، لكن في الإطار النّظري والمعرفيّ، أما ما يتعلق بالدنيا، فالنّص وظيفته الإثراء والاستئناس به في حلِّ العويص من المشكلات التي تقابل الإنسان المعاصر، فالصورة واضحة في هذه الدعوة، إنها ببساطة إنهاء وظيفة القرآن التعبدية، ونزع غطاء القداسة التي صاحبت النّص منذ ظهوره التاريخي (طبعا الفكر العلماني عنده إشكال في معنى الوحي)، وإذا تحقق هذا أمكن إبعاد النّص الديني من حياة النّاس، وتغيبه في دهاليز الدراسة والبحث، وهي عملية تشكل حالة امتداد –مع الاختلاف طبعا- لحركة الاستشراق الغربي التي وظفت طاقات جبارة في قراءة التراث الإسلامي، وتوجيهه -أي التراث- الوجهة التي تخدم بها مسيرة الحضارة الجديدة وعنوانها البارز (الفكر الحداثي)، وفي هذا الإطار تحرك التيار العلماني الذي ظهر عموماً في العالم العربي والإسلامي، مع المشروع الاستعماري الغربي، ليواصل عملية التخريب من الداخل.

والله المستعان.

 



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5020