أخطاء الصناعة النقدية: بين الضوابط والمقاصد
التاريخ: 6-3-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


     علم الحديث والرجال الذي خُصّت بهم هذه الأمة أنتج طرائق في البحث والتحقيق، تُنبئ عن إبداع قد لا يستوعبه مَن كان خارج سياق البيئة التي أنتجته، ويكبُر عليه أن يُنسب إنجاز بهذا الحجم إلى أمّة تَدين بدين"بدوي" فلم يجد هؤلاء ما ينفسّون به عن مُصابهم إلا بإخضاع هذا الإنجاز لموازين- ومناهج- نقدية وغربية لاحقة، تتسقّط ثغرة، أو تلتقط شذوذا، فلما لم تُسعف المحاولة في النيل من هذا الإنجاز الحديثي، راح مَن ينسب نفسه للحداثة الغربية يحاول الطعن في القرآن نفسه، من خلال اجترار بارد لمحاولات مَن تقدّمه مِن المستشرقين، وينسى هؤلاء وهؤلاء أن التواتر المعقود والمجمع عليه-بقواعد متخصصة- يقف سدّا منيعا ضد هذه المحاولات، ولو تزيّن بحُلل البحث العلمي، الذي لا يراعي إلا "ثوابت" العلمانية والحداثة ! بقي أن نشير في هذه التقدمة إلى أن هذا الإبداع الحديثي لا يضيره خطأ هنا أو هناك، فأدوات البحث التي أنتجها كفيلة بإزالة اللبس، أو برفع الإشكال، إن لم يكن برجال الطبقة -كما هو مصطلح القوم-فبآخرين من الطبقات التي تليها.



أخرج الإمام مالك -في موطئه برواية يحي بن يحي(4/877)- ومن طريق مالك الإمام مسلم (2/1075)- عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مما يقرأ في القرآن".

قال يحيى: "قال مالك: وليس العمل على هذا".

لعل أول ما يلفت النظر في هذا النص هو العبارة الأخيرة فيه، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد لحق بربه والحكم المذكور ثابت بالقرآن: فالسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أين موضع هذه الآية الآن في المصحف الشريف؟ هي حتما غير موجودة، قال ابن العربي المالكي في المسالك في شرح موطأ مالك (5/684): " وهذا مما لا تصح به حجة، لأنها -أي السيدة عائشة- أحالت على القرآن في الخمس رضعات، ولم توجد فيه، ولذلك قال مالك: ليس العمل على هذا".

وكان ابن العربي أكثر وضوحا في كتابه الآخر: القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (768) حين ذكر بأنّ السيدة عائشة: " أحالت في الحديث بالعشر والخمس على القرآن، وأخبرت أن هاتين الآيتين -بالعشر والخمس- كانتا منه ثم نُسخت إحداهما وثبتت الأخرى، والقرآن لا يثبت بمثل هذا، وإنما يثبت القرآن بنقل التواتر عن التواتر، فإذا سقط الأصل سقط فرعه، ولو أحالت بذلك حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لزم قبوله.." وهو نفس ما ذهب إليه ابن حجر -بعد قرون- حين ذكر في الفتح (9/147) بأنّ قول عائشة رضي الله عنها "لا ينتهض للاحتجاج - على الأصح من قولي الأصوليين-لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنا، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه".

و أما الملحظ المقاصدي فقد تولاّه الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار (11/490) حين قرّر أن ما ورد في رواية عبد الله بن أبي بكر محال "..لأنه لو كان ما روى كما روى، لوجب أن يُلحق بالقرآن، وأن يُقرأ به في الصلوات كما يقرأ فيها سائر القرآن، وأن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تركوا بعض القرآن فلم يكتبوه في مصاحفهم، وحاش لله أن يكون كذلك، أو يكون قد بقي من القرآن غير ما جمعه الراشدون المهديون، ولأنه لو كان ذلك كذلك جاز أن يكون ما كتبوه منسوخا، وما قصروا عنه ناسخا، فيرتفع فرض العمل، ونعوذ بالله من هذا القول ومن قائليه.."!

وقد لا نضطر إلى التأويل حين تكون إزالة الإشكال في الصناعة النقدية نفسها، فالإمام مسلم أخرج الحديث من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة، ثم أتبعه برواية سليمان ابن بلال عن يحيى بن سعيد عن عمرة أنها سمعت عائشة رضي، تقول - وهي تذكر الذي يحرم من الرضاعة - قالت عمرة: فقالت عائشة: نزل في القرآن عشر رضعات معلومات، ثم نزل أيضا خمس معلومات". وأتبع هذه برواية عبد الوهاب (هو الثقفي) عن يحي بن سعيد عن عمرة عن عائشة، بمثل حديث سليمان بن بلال، من دون ذكر ما ورد في رواية مسلم الأولى من زيادة: " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مما يقرأ في القرآن". بمعنى أن للإمام مسلم حديث عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة بالزيادة، وله حديث يحي بن سعيد عن عمرة عن عائشة بدونها، وله فيها طريقان، وهذا الأسلوب في إخراج الحديثين قد يوحي بترجيح مسلم لحديث يحي بن سعيد! وقد يكون هذا الخلاف سببا في عدم إخراج البخاري لحديث الرضعات أصلا، بالرغم من أنه أخرج في صحيحه لحديث عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة في غير هذا الأمر!

وزاد الإمام الطحاوي (5/74-75 بترقيم المكتبة الشاملة) متابعة القاسم بن محمد ليحي بن سعيد الأنصاري- التي عند مسلم - على إسقاط ما في حديث عبد الله بن أبي بكر- كما أخرجها ابن ماجه في سننه (1/625)، قال الطحاوي: " فهذا الحديث أولى من الحديث الذي ذكرناه قبله، وفيه أنه أنزل من القرآن ثم سقط، فدل ذلك أنه مما أخرج من القرآن نسخا له منه...".

وما سبق من طرق اكتشاف الوهم حين يتظاهر على الرواية أكثر من راو، ويخالفهم آخر قد لا يكون مثلهم في الحفظ والإمامة، وهو ما صرّح به الطحاوي حين ذكر أن "مقدار القاسم بن محمد في العلم  وضبطه له فوق مقدار عبد الله بن أبي بكر.." ووصف يحي بن سعيد الأنصاري بأنه "إمام من أئمة زمنه" وقال في شرح المشكل (11/489): " القاسم بن محمد في الحفظ والإتقان فوق عبد الله ابن أبي بكر، لاسيما وقد وافقه على ما روى من ذلك يحيى بن سعيد، وهو فوق عبد الله بن أبي بكر أيضا". ولذلك خلص إلى القول في المشكل عن حديث عبد الله بن أبي بكر: "وهذا ممن لا نعلم أحدا رواه كما ذكرنا غير عبد الله بن أبي بكر، وهو عندنا وهم منه". وقال في شرحه: "والقاسم ويحيى أولى بالحفظ من عبد الله بن أبي بكر، لعلو مرتبتهما في العلم؛ ولأن اثنين أولى بالحفظ من واحد لو كان يكافئ واحدا منهما، فكيف وهو يقصر عن كل واحد منهما"؟

وأضاف الطحاوي- في سياق توهينه لحديث عبد الله بن أبي بكر-أن ما ورد في موطأ مالك عقب إخراجه لحديثه من أن العمل ليس على وفق ما ورد فيه يزيد من ضعفه فقال (5/76 الشاملة): "ومما يدل على فساد ما قد زاده عبد الله بن أبي بكر على القاسم بن محمد ويحيى بن سعيد في هذا الحديث: أنّا لا نعلم أحدا من أئمة أهل العلم روى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر غير مالك بن أنس، ثم تركه مالك، فلم يقل به وقال بضده، وذهب إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، ولو كان ما في هذا الحديث صحيحا أن ذلك في كتاب الله عز وجل لكان مما لا يخالفه ولا يقول بغيره".

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5026