أبرز عوامل وحدة الأمة الإسلامية
التاريخ: 6-3-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


 المتأمل في أدبيات الإسلام وتراثه الفكري والفقهي والسياسي والحضاري، وهي أدبيات تمثّل رصيداً كبيراً واسعاً تنوء بحمله الجبال الرواسي، يجد بأن الإسلام أنجز للأمة المسلمة الكثير من الجوامع التوحيدية التي على أسسها وعلى قاعدة مرتكزاتها تكون قوة الأمة الحقيقية.. وأبرز هذه الجوامع التوحيدية تتمثل فيما يلي:

ــ جامع العقيدة.

ــ جامع الشريعة.

ــ جامع الحضارة.

ــ جامع دار الإسلام.

بقلم: د.إبراهيم نويري ــ باحث أكاديمي



 

 

 

وليس غريباً أن تكون العقيدة الإسلامية بمكوّناتها وأركانها هي الجامع الأول في نسيج كيان هذه الأمة، فهي للقلوب والأفئدة بمثابة الماء للأرض يُحيي الموات من النبات ويُزيل الجدب من على ربوعها.. والعقيدة الصحيحة تتكفل بإخضاع الناس لخالقهم العظيم وتُهدّم الأصنام في نفوسهم في مجال الفكر والفن والاجتماع والاقتصاد ونحو ذلك. ومن خصائص العقيدة الإسلامية أنها لم تكتف بإحياء وإنعاش عاطفة الحب الإلهي فحسب، بل مكّنت لمبادئ العقل تمكيناً عجيباً، حتى أنّ كلّ مَن يحتفي بالمنطق العقلي ويحترم مبادئه، بوسعه أن يستدلّ من مقرّراته على صحة وسلامة مكوّنات العقيدة الإسلامية.

أما جامع الشريعة، فقوامه تلك القواعد والأحكام والمقاصد الكلية، التي تتميز بالثبات مع المرونة ومراعاة أوضاع المكلفين، واستيعابها لكلّ نوازل ومستجدّات العصور. وإذا نحن استقرينا تفصيلات الأحكام الشرعية وربطناها بالمقاصد التي تتشوّف إليها، أدركنا على الفور بأن الشريعة من أهمّ الجوامع التوحيدية للأمة الإسلامية؛ فالعبادات مثلا في جانب من جوانبها مظهر بديع لوحدة الأمة واجتماعها على مثابة واحدة، وهذه الحقيقة تتجلى في صوم شهر رمضان وفي مناسك الحج، وفي الصلوات الجامعة، كما تتجلى في ثبات الأحكام وقواعد التشريع .

ثم يلي هذا الجامع جامع الحضارة، وهو يعني ذلكم الفضاء الخلاق الذي انصهرت في بوتقته العامة وتحت ظلاله جهود المسلمين وجهود مواطني البلاد الإسلامية ممن لا يدينون بالإسلام، فنتج عن ذلك علومٌ وآدابٌ وفنونٌ وإبداعاتٌ صُبغت بالصبغة الإسلامية ذات الطابع الإنساني المنفتح والمتسامح .

ومَن يتأمل تلك المناشط الحضارية في شتى المجالات ومختلف الميادين سوف يجدها تعبّر بصورة أو بأخرى عن قيم وطبائع وأخلاقيات منبثقة أو متأثرة بتعاليم الإسلام في بناء الحياة وتأهيل الإنسان لأداء رسالته على الأرض وفق منهج سليم ومسالك راشدة.

أما جامع دار الإسلام، فهو يشير بوضوح إلى أن الأمة المسلمة إنما هي أمة واحدة لها أوضاعها الخاصة، ولها الكثير من السمات التي تميّزها عن غيرها. ومصطلح دار الإسلام من المصطلحات الفقهية القديمة في أدبيات ومقولات الفكر الإسلامي، وهو يعني البلاد الخالصة للمسلمين والتي تقطنها أغلبية مسلمة، وتُطبق فيها أحكام وتعاليم الإسلام.أي البلاد التي تخضع للسيادة الإسلامية وقوانينها العامة.

إن هذه الجوامع التوحيدية الجوهرية هي التي تمنح الأمة الإسلامية خصائصها ومميزاتها، إلى جانب قوة الكيان ومنعته. ونظراً لهذه الحقيقة الساطعة، نجد أن الدوائر والقوى التي تعادي هذه الأمة، تركّز دائماً على ضرب هذه الجوامع وإضعاف مفعولها وتحييد آثارها على مختلف الأصعدة. ولا ريب أن كيد تلك الدوائر ارتفع بوغاؤه حتى عمّ أصقاع الدنيا، وملأ فجاج الأرض.

وعلى سبيل المثال نرى أن جهود التبشير والتنصير وبرامج الغزو الثقافي والإعلامي تركّز على إضعاف جامع العقيدة الإسلامية، كي تظلّ عقائد كامنة في القلوب والضمائر، لكنها معزولة عن الواقع المتحرك. بينما نجد العلمانية وفصائلها وتياراتها تركّز جهودها ومشروعاتها المختلفة، على تهميش جامع الشريعة وحصره في دوائر الأحكام الشخصية كالزواج و الطلاق و الميراث  ، و ذلك بالتمكين للقوانين الوضعية، والصراخ المتواصل في المنابر الإعلامية المأجورة التي دأبت على تخويف الناس من أحكام الشريعة الإسلامية، والادعاء بأنها أحكام قاسية وغير مناسبة لطبائع الإنسان المعاصر، وكأنهم أكثر رأفة وشفقة بالعباد من خالق العباد سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم.

أما نزعة المركزية والصلف والغرور الذي تتصف به الحضارة الغربية، فتركّز حربها ضد جامع الحضارة الإسلامية وضد تميّز مضامينها التي استوعبت الإنسانية كلها دون تمييز على أسس مذهبية أو دينية أو عرقية أو غيرها. ولهذه النزعة المركزية أدوات كثيرة تعمل من خلالها على نسبة كلّ فضيلة إلى الحضارة الغربية، وإلصاق كلّ أوزار التاريخ ومساوئ البشر بالحضارة الإسلامية.

 أما المد الاستعماري في أشكاله وصوره العسكرية وغيرها، فهو يعمل باستمرار ودون هوادة من أجل اختراق دار الإسلام، كي لا يكون للأمة الإسلامية جامعٌ جغرافي يوحّد بين أقطارها وأقاليمها الممتدة على ثلاث قارات من المعمورة.

وتعتبر أداة التفتيت والتقسيم من أخطر الأدوات التي يستخدمها المد الاستعماري، ولذلك فهو كثيراً ما يُشهر ورقة الأقليات في الأقطار الإسلامية، ويُغذّي هذه الورقة كي تثمر المزيد من التفتيت والتقسيم لجامع دار الإسلام.

في الأخير: هل من يقظة إسلامية بصيرة تعمل على تفعيل هذه الجوامع في الواقع العملي، حمايةً لأمتنا من أخطار كالحة مُعْنِتة تتهدّد وجودها وحاضرها ومستقبلها؟ 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5027