خدمة الأرض تنمية حقيقية
التاريخ: 6-3-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


كانت الأرض وما تزال، في جميع البيئات والأوضاع، موضع إشادة ومدح، ومحل تفاخر ومنازعات وحروب أحيانا، وذلك لعزتها ومكانتها بين عناصر معيشة البشر على اختلاف الأوطان، ولهذا استعمل لها بعض الروائيين كلمتي: الأم والزوجة لما لهما من دلالة عميقة ومؤثرة.

بقلم: إبراهيم قمور



وهل يستطيع الناس أن يستغنوا عن الأرض، وما تقدمه من ثمرات، مختلف ألوانها وطعمها؟ ونحن عندنا في الجزائر أراض شاسعة، فيها الجبال والسهول وفيها البر والصحاري، وفيها الوديان والينابيع الجارية في أشكال متنوعة، وهي قادرة على أن تحقق لنا الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية، ويمكنها أن تضمن لنا التحرر الكامل من قيود التفاوض والتعامل مع الآخرين، لأنها قد تذعن إلى شيء من الشروط والقيود، وما أكثر ما تحضر ألوان من الشروط عند المحاورات التفاوضية..وهذه الأراضي التي وصفناها بالشاسعة، لا تقدم إلينا ما نحتاج إليه في حياتنا من الثمرات إلا إذا سخرنا لها ما ينبغي من العناية والخدمات اللائقة، والمودة المتبصرة الدائمة، لأنها بدون الضروري من العمل المتصل والحرص الشديد على العناية، لا تقدم إلينا ما نطمح إليه من النتائج، ولعل من مظاهر العمل والحرص، التحكم في الطاقة المائية من المطر بقدر الاستطاعة واستخدامها حسب الاحتياج، ويتم هذا التحكم في المياه بإقامة السدود والأحواض في قمم الجبال والبراري المؤهلة لذلك من حيث السهولة والارتفاع، وما يمنع أن نكون المثل في هذا النوع التنظيمي، ونكون مبتكرين وسباقين في حشد الأراضي الواسعة بحواجز تقبض على الأمطار في فصل الشتاء، وذلك مما يحفظ على البيئة طابع الاخضرار ويهيئها لاستقبال الحيوانات البرية والطيور المتنقلة حيث تجد الهواء الصافي والإقامة الآمنة.

وقد يقول القائل من المفتخرين بالهف، عندنا سدود وأحواض وبحيرات كبيرة بعضها واسع جدا ويقبض على احتياجاتنا من المياه، ولكن هذا القول لا يبرر انصرافنا إلى التهاون في شؤون المياه وخدمة الأرض كما يجب. وهذا الأمر يقودنا إلى المزيد من الانجاز في السدود والحواجز المائية، ومن الأخطاء التي نرتكبها أننا نهمل الأرض ونلتحق بالمدن والقرى وهنالك نسيج الأراضي المحيطة بالعمارات، ونحاول تثميرها بالفلاحة وغرس الشجيرات التي لا تصلح ولا تفيد إلا في الشعاب والوديان.

أما العناية الأخرى بحماية الأرض وخدمتها فتكون بتشجيرها كما يجب أثناء الأحوال الملائمة، ثم بحفظ ما يقع غرسه من أحداث الجفاف والحرائق، وفساد المفسدين الذين يتجرؤون على الفعل حينما يرون التفريط ويطمئنون إلى وجود الإهمال بسبب الجهل المطبق بما للشجر والغابات من فوائد نفسية وصحية وجمالية يصعب تعويضها في الأوقات القليلة، ورغم هذا فمما نراه شائعا ونسمع به واقعا هو إقبال الناس عندنا في حماس شديد واستباق واضح على توجيه الأراضي الخصبة لبناء الفيلات وشبه العمارات التجارية، وذلك على حساب الفلاحة التي تعد تنمية حقيقية بين أيدي المجتمعات التي ما تزال تحوم باب الصناعات وأوضاعها ومؤهلات الدخول إليها.

إن هذه الأراضي الشاسعة من حولنا تأمل الظفر بكمية من المياه والأشجار لتكون في مستوى رسالتها الإنتاجية والجمالية، وفي مستوى المنظر والمأمول منها، وهناك أقوام في بلدان أخرى يتعاملون مع قطاع الأراضي بحكمة وبكيفية ناجحة، وصورة تلك الكيفية أن الأراضي تسند إلى شاب بالكراء المحدد فيستثمرها بنجاعة رائعة، حتى إذا بلغ سن التقاعد يتركها لغيره من الشباب وانصرف يستريح في منزله الذي بناه عندما كان عاملا ويكون هذا الانتقال في الإنسان والأرض هادئا منظما لا تشوبه شائبة من الغضب والألم، وبذلك تدور الأراضي بين أيدي الشباب القادر على العمل والإنتاج، وتبقى خصبة منتجة، ولكن عندنا فالملاحظ أن الناس يريدون الملكية ويسعون إليها بجميع الطرق والوسائل، لماذا؟ لأن عقلية التملك راسخة في النفوس والقلوب والعقول، ولا يزحزحها وعظ ولا توعية بالقواعد المتطورة الجديدة للإنتاج والاستهلاك وتوزيع الثروة، وليس هناك شك في أن تنظيم الأراضي الشاسعة وخدمتها بالمياه والأشجار مما يقضي على اختلال التوازن بين فئات المجتمع القائم على الحيف في اقتسام الثروة وتوزيع عوامل التنمية والكسب بالعرق والمعاناة، وإنه لمن المؤسف التخلي عن الأراضي الخصبة في الريف، والانتقال طوعا أو كرها إلى المدن والقرى وتحويل الأراضي المحيطة بالعمارات إلى ضيعات فردية محاطة بسياج مفسد للبيئة، وفي معظم الأحياء السكنية أشجار باسقة، ودجاج ونحل ناعقة في الأصابح والأماسي، ويقرر العقل الراجح أن الفلاحة تنمية حقيقية.

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5028