أحاديث في الصحيحين: المناهج والمقاصد(1)
التاريخ: 13-3-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


أشرنا من قبل إلى أن مقاصد السنة الشريفة لا ينبغي أن يشوِّش عليها نص جزئي من هنا أو هناك، ولا أن يُربكَ المقتدي- في تمثّله لها- سندٌ لحديث يُصحَّح ظاهره، فيسارعُ مِن دون سؤال أو تمحيص إلى اعتقادٍ بمضمونه، وتحرّجٍ من ترجيح ما سبيله الثبوت بالمقصَد عليه ! فحين تتظافر مجموعة من الأحاديث النبوية على نسبة أمر لمبادئ هذا الدين يرقى بها إلى مستوى المقصَد، الذي لا يقوى النص الجزئي- بمفرده حتى ولو صحّ السند- على إزاحة المقصد من الاعتبار، وقد يصيب العالمَ أو الناظرَ التردّد أو التوجّس حين يكون النص المنفرد عن المقاصد قد أخرجه البخاري أو مسلم !



أخرج الإمامان البخاري (8/77) ومسلم (4/2009) عن يونس-بن يزيد- عن ابن شهاب-الزهري- قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم فأيما مؤمن سببته، فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة".

اكتفى البخاري بإخراج هذه الصيغة بهذا اللفظ ضمن ترجمة قال فيها (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة) ويلاحظ أنه استبدل كلمة "الإيذاء" التي في الترجمة، "بالسب" الوارد في الحديث؟!

غير أن مسلما أخرج روايات أخرى لنفس الحديث، فيها بعض الزيادات، ففي إحدى هذه الصيغ:" اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن سببته أو جلدته..." وفي أخرى:" إنما أنا بشر، وإني اشترطت على ربي عز وجل: أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجرا". وليس في هذه الألفاظ ما يشكل، أو ما يشّذّ عما أخرجه البخاري، غير أن هناك نصا أخرجه مسلم مقرونا بما قد يُعتبر سببا للورود، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"دخل علَى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء، لا أدري ما هو؟ فأغضباه، فلعنهما وسبّهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان، قال: وما ذاك؟ قالت: قلتُ: لعنتَهما وسببتَهما، قال: أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلتُ: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته، أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا"(صحيح مسلم:4/2007) وأتبعها برواية أخرى فيها:"فخَلَوا به، فسبّهما ولعنهما وأخرجهما".

وأخرج الإمام أحمد في مسنده (41/281) وأبو يعلى الموصلي في مسنده أيضا(8/6) عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير أن عائشة قالت: "إن أمداد العرب كثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غموه، وقام إليه المهاجرون يفرجون عنه، حتى قام على عتبة عائشة، فرهقوه، فأسلم رداءه في أيديهم، ووثب على  العتبة فدخل، وقال: اللهم العنهم، فقالت عائشة: يا رسول الله: هلك القوم، فقال: كلا، والله يا بنت أبي بكر لقد اشترطت على ربي عز وجل شرطا لا خلف له، فقلت: إنما أنا بشر، أضيق بما  يضيق به البشر، فأي المؤمنين بدرتْ إليه مني بادرة، فاجعلها له كفارة ".

السبب الذي أورده الإمام مسلم للورود فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الرجلين وسبّهما وأخرجهما من بيته، وهو الأمر الذي أفادته حكاية السيدة عائشة، التي سمعت السب واللعن  والطرد، ولم تسمع الكلام الذي أغضب به الرجلان الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وأما في رواية الإمام أحمد فإن القوم الذين أغضبوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يواجههم باللعن ليسمعوه، وإنما تفوّه به بعد أن رحل القوم، وهو ما تفيده عبارة السيدة عائشة:"..ووثب على  العتبة فدخل، وقال: اللهم العنهم..."

فحديث الإمام البخاري أخرجه من دون هذا السبب، ولم يَرِد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سبّ أحدا أو لعنه، إنما هو حديث واحد أخرجه في الباب، ومؤداه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لكل مَن قد يسبّه أن يجعل الله ذلك للمدعوّ عليه قربة يوم القيامة، أو زكاة ورحمة،كما ورد في الترجمة التي ترجم بها الإمام البخاري للحديث، وأمّا ما أخرجه الإمام مسلم ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع منه -فعلا- السب  واللعن والطرد، وأن هذا الأمر لم يكن بينه وبين نفسه، أو في بيته بحضور أهله، وإنما صدر عنه وسمعه منه الرجلان اللذان أغضباه.

وفي حديث آخر عن معاذ عند مسلم (4/1784)- ولم يخرجه البخاري- أنّ رجلين "سبهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء الله أن يقول.." فأوحت رواية هذا النص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلاما آخر يندرج ضمن السبّ أيضا !



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5036