أزمة التعبير: الخصوصية الجزائرية
التاريخ: 13-3-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


منذ سنوات عدة، والاحتجاجات تتصاعد في بلادنا أكثر فأكثر فأكثر، وأكبر فأكبر، في عدد من القطاعات الحيوية في البلاد: التربية، السكن، التعليم العالي، الصحة، النقل بأنواعه، الأمن الخ...وبقطع النظر عن الأسباب الخَفية والمستترة لبعض من تلك الاحتجاجات، فإن اتساعها وقوتها، وبلوغها -أحيانا - مستويات عالية من التعبير العنيف، ممثلا في التخريب و"قطع الطرق"، وإحراق المرافق العمومية والخاصة والممتلكات، فإنها من حيث هي احتجاج  إنما هي "تعبير" بغير اللغة وبغير الكلام، مما يدل على "أزمة "عميقة شاملة مستحكمَة في نظامنا التواصلي/الإنساني عموما، يمكن التعبير عنها بوضوح وبساطة: بأنها أزمة تعبير وإفصاح.

بقلم: حسن خليفة



 

 وذلك يعني -في المقام الأول - أننا لا نمتلك الحد المقبول من التوافق على صيغ التفاعل بيننا كجزائريين وأفضل وأرقى تلك الصيغ هي التواصل اللغوي والتعبير بالكلام في مختلف أنواعه وصيغه: الحديث، النقاش، الحوار، الجدل إلخ. وهو ما يكشف أيضا أن إيصال الرسائل إلى بعضنا بطريقة هي أبسط وأنقى طريقة إنسانية وهي طريقة الكلام. أي اللغة، أمر لم يعد يجدي نفعا، وما أبشع ذلك في إطار منظومة التواصل الإنساني التي تعدّ اللغة أرقى مظاهرها وأكثرها جمالا وقوة وتأثيرا وتبليغا. ولكننا، للأسف، بعيدون عن استخدامها واستثمارها في مختلف مستويات تواصلنا مع بعضنا.

ـ وفي المقام الثاني يعني أننا لسنا مؤهلين للتحاور والنقاش بين بعضنا البعض؛ إما لأن طريق الحوار والكلام لا يوصل عادة إلى نتيجة، وتلك معضلة حقيقية فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية ينبغي إيجاد الحلول العاجلة لها، والاحتمال الثاني أن هناك طرفا أو أطرافا لا تؤمن -أصلا - بالحوار، وقبل ذلك لا تؤمن بالكلام نفسه كصيغة من صيغ التفاهم والتعامل. وقد شكل هذا الوضع الغريب الممتدّ المستمر ، للأسف، ما يشبه القناعات لدى قطاع عريض من الناس ومؤدّاه: لا فائدة من الكلام..وأن هناك لغة أخرى هي الأكثر قدرة على "الإفهام" وإيصال الرسالة، ونعني بها لغة الاحتجاجات المختلفة، بما فيها الاحتجاجات العنيفة.ولكن الانتشار الرهيب لهذه اللغة الثانية لغة الاحتجاجات والتعبير العنيف لها ما بعدها وليس هناك بديل، مهما اجتهدنا، عن "اللغة" بمعناها الإنساني الراقي، أي الكلام والحديث و الخطاب.

ولو أحصينا مجموع الخسائر المادية والمعنوية الناجمة عن هذه الاحتجاجات الممتدة في الزمان والمكان، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، لعرفنا كم من الخسائر لحقَ مجتمعنا ولحق بلدَنا بسبب تحييد هذه الطريقة الحضارية الجميلة وهذه الطريقة الميسرة الموصلة إلى كل خير -حتما - وهي طريق الكلام والتخاطب والحوار، أي طريق اللغة،طريق التعبير، على أن يكون ذلك مبنيا على ثقة وفضل وتفاهم .

 هل لهذا أصل في نشأتنا؟

ودون كبير إلحاح في طلب الأسباب التي تقف وراء كل هذا نود أن نتساءل:

هل المنشأ  الذي نشأنا عليه كجزائريين وجزائريات، أو نشأ عليه أكثرنا في عوائلنا وأسرنا هو السبب؟ أعني هل انعدام الحوار في بيوتنا على امتداد تاريخنا كله، منذ القديم هو السبب؟. ومن يتأمل الدراسات التي تناولت هذا الموضوع يجد بالفعل أن الحوار عادة في البيوت مفقود وغائب ومُغيّب. فالأب هو رمز للسلطة وظيفته "إصدار الأوامر" وعلى البقية "التنفيذ" بلا مناقشة، مما يجعل بعض بيوتنا أقرب إلى "الثُكنات" العسكرية التي يسود فيها نظام "الأمر" والتنفيذ دون مناقشة. وهو أمر قد يبدو للبعض طبيعيا ولكن نتائجه وخيمة في بعض جوانبها على الأقل؛ من حيث "صياغة " عقلية الأبناء والبنات وتشكيلها على نحو يمكن تخيّله، عندما يصير الابن أبا في المستقبل، ويكون نسخة عن أبيه في مقام الخطاب مع أهله وأبنائه.ما يعني تسلسل التأزم وامتداده جيلا بعد جيل.طبعا مع وجود استثناءات لكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. وتكفي هاهنا مراقبة لسلوكاتنا كجزائريين ووسائل التخاطب مع بعضنا لاكتشافات سريعة بأن "اللغة" كلغة تكاد تكون معطّلة بيننا، وأن استخدامنا لها لا يفي بالغرض، وحتى إن استمر النقاش فإنه يتحول -بسهولة - إلى نوع من الشجار تعلو فيه الأصوات ويسود الصخب، ولا بد فيه من أمرا لسباب والتلاعن والتخاصم الفاجر.وكل ذلك إساءة للغة ودليل على استحكام أزمة التعبير وتعمّقها في كياننا النفسي الهش المضطرب.

 إنه يمكن القول بوضوح: إننا كجزائريين، وهذا رأيي الخاص في كل حال ولا ألزم به أحدا، نفقتد افتقادا حادا إلى صيغ التعبير بالكلام والحديث والحوار والجدال والنقاش والتفاوض، تعبير يسمح لنا بالإفصاح عن الرأي وعن القناعات والحقائق والأفكار بأشكال إنسانية راقية وباقتدار ونصاعة وقوة كما هو شأن أكثر البشر في مختلف المجتمعات البشرية.

أما التعبير عن المشاعر والأحاسيس فتلك حكاية أخرى بالنسبة للجزائري والجزائرية ليس هنا مجال الإعراب عنها.

نعم لدينا أكثر من إشكال/معضلة في مجال التعبير والإفصاح. لدينا مشكلة في التعبير عن آرائنا بالطريقة المطلوبة والمرغوبة، كما تفعل كل الشعوب أو أكثر الشعوب، وهي تتبادل الرأي وتتناقش وتتنافس وتتفاعل وتتصارع، في مجالات الحياة المختلفة، تفعل ذلك بأكثر الصيغ تحضرا وهو التعبير بالكلام .وهذا ما نفتقده نحن ونفتقر إليه. ونحتاج إلى تدريب حقيقي عليه، وقبل ذلك نحتاج إلى الإلمام بهذه المعضلة التي تجعل منا كائنات غير حوارية وهو نقص يجب استكماله بأسرع ما يمكن؛ لأن تأثيراته على حياتنا العامة والخاصة كبير ومدمّر.

قد لا تسمح هذه العجالة، في هذه المساحة الصغيرة بالإشارة إلى كل ما يتصل بهذا الأمر، ولكن يكفي أن يُفتح الحوار في هذا الشأن، ويُتاح التداول بشأنه، في مجتمعنا، في مختلف الوسائط الإعلامية والثقافية والدينية والفكرية، لنتعرّف على مدى "الخسارة" التي لحقتنا في ذواتنا وأسرنا وعوائلنا، بسبب العطالة التي نعاني منها في هذا المجال. وإن شئنا أن نذهب أبعد قليلا فلننظر إلى خطاب المسؤولين لدينا وما يعانون منه "عيّ" و"حصر" وصعوبة في التعبير والإفهام، ومن ثم صعوبة في إيصال الرسائل والتبليغ عن الأفكار والحقائق والقضايا التي هم مكلفون بها، والتي يعدّ التعبير جزءا أصيلا من مكوّنات وظائفهم ومهامّهم كقادة ومسؤولين. وللحديث بقية....







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5041