يا لله لك يا حلب!!
التاريخ: 13-3-1438 هـ
الموضوع: كلمة حق


ما الذي دهاك يا حلب؟  تكالبت عليك المهالك، وكل شر وبلاء، وألمَ بك وجُلب، تسلطت عليك الأعداء براً وبحراً وجواً، وعليك الدمار انقلب، وتواصل القصف المتفجر وما عنك لا زال ولا ذهب.



هذه أطفال تقطع أوصالها، وهذه أمهات تدمر منازلها، وتقتل وتعاني من فقد أبنائها أهوالها، ما الذي أصاب مدينتنا حلب وغيّر أحوالها؟

دمرت حضارتها، واندرست آثارها، فيالها من قلاع عتيقة عمل العدوان على هدم رسومها ومآثرها، ويا لها من مساجد ذات قدم تاريخي أسقطت مآذنها، وعفي على أعمدتها السامقة وجمال عرصاتها، وهذه مدارس العلم والدرس خلت من طلابها وذهبت شظايا، وهجّر علماؤها، وخلت من مخابرها ومكتباتها.

إي يا حلب ما الذي دهاك؟ يا زينة المدائن! وسيدة ما شيده التاريخ من أمثالها، هل علينا أن نبكيك بذرف أعيننا دموعها، وماذا يجدي بكاؤنا عليك وعويلنا يا زينة المدائن، ذهب جمالك وقدمك في التاريخ، فهل يجدي بكاؤنا، وهول جروح قلوبنا وأغوارها؟

كم صبرت حلب، وثبت شعبها مدافعاً عن حياضها، فيا له من ثبات وصبر!! ويا له من دفع للعدوان عليها، وعلى جمال منازلها وساحاتها ومعانيها، فيالها من حضارة سامقة تهدم، وتاريخ مجيد يختفي ويردم.

أجمع على العدوان عليك الأمريكان، وطغاة الروس والرومان، وطوائف من المسلمين فقدت عقولها وجن جنونها، ومليشيات لأحزاب تزعم أنها تدين بالإسلام وما تدين، تنكرت لأخوة المسلمين انحرفت عن كل قيم الدين، يسفكون دماء محرمة، ويزهقون أرواحا بريئة، فهل يلام غيرهم من أصحاب المصالح، من هذه الدول التي تدير الحرب ولا تنهيها، لإقامة قواعد عسكرية، واحتلال مواقع لها في هذا الشرق الشقي الذي لم يدرك شقاءه، ولا تخلص من تخلفه، وما وجد له دواءه، وما تفطن ليعالج داءه، ويكف عن طغيانه واستبداده.

إنّ المظالم إذا تراكمت تفجرت، وإن الناس إذا كتمت أنفاسهم، وضاقت صدورهم بما رحبت، أهرعوا إلى العنف، وبه السلام تذهب أركانه وتقطعت، هل يبقى بعد هذا ملام على الأحلاف تجري وتتهافت عليك من كل حدب وصوب، لهزيمتك وما كان لهم أن يهزموك، فإن خسرت هذه الحرب فلا تموتين، ولن يموت شعبك الذي يفديك، ويضحي من أجلك يا أعز المدائن وأشرفها !! وأكرم الثقافات وأخلدها، لن تموت مآثرك وإن شوهها أعداء الإنسانية، ووحوش الروس، ومن يسمون بالأسود وما هم بأسود، وسيأتون مصيرهم، وقد اسودّت وجوههم بالجرائم يوم تبيضّ وجوه، وتسود وجوه.

يا حلب كم أنشأت من علماء وفقهاء وشعراء، وأئمة اللغة ورعاتها، لا تمحى أمجادهم، ولا تندرس نفائسهم وكرائم أعمالهم.

لا تيأس حلب ولا تموت وإن أراد حكامها إفناءها ليحكموا خزائنها، ويتمتعون بالسلطة على مقابرها وجثث شبابها وشيوخها.

بشرى لك يا حلب، فإن لك شباباً يحبك ويدفع عنك شراسة أعدائك، ويحميك من شرهم وسوء جرائمهم، فإن ضعفوا يوماً وقل عنادهم، فلن يلبثوا حتى يعيدوا  الكرة، ويغالبوا من عاداك وآذاك، يا خيرة المدائن وأرقاها وأرفعها !!

يبكيك عشاقك ويحزنون وتتقطع أكبادهم، لما يرون من حزنك الأسود الأسيف، وما يغشاك من ظلمة وظلم، ولكن أبشري يا حلب فلن يغلب شبابك، ولن يهزم ما يتلاحق من أجيالك !!

يتخذ أعداؤك الإرهاب ذريعة للعدوان عليك لاتخاذ مواقع حواليك، إنه تجديد للاحتلال وتمزيق لأوصال العرب والمسلمين أنكى وأشد من تقسيم سايكس بيكو (1916) لإرساء إمبراطورية، وأكثر في بلادنا، لضغفنا وهواننا على الناس أيما هوان، فيا الله لك يا حلب !!

صواريخ، قنابل، أسلحة محرمة من غازات سامة وقنابل عنقودية وسلاح كيماوي حارق مبيد، إنها إبادة تمت أركانها وظهرت شناعتها وفظاعتها للعالمين.

يبدو أن الضمائر الأخلاقية في قرننا هذا قد تهاوت وعميت بصائرها أو تكاد، ولم يبق إلا منطق القوة، أما الإنسانية وقيمها فحديث تلوكه الألسنة والأشداق، لا يكاد ينفذ إلى القلوب، ولا أن يكون له أثر في أغلب النفوس، هذا مجلس الأمن لا يؤمن بالأمن، ويمنع الروس قراراته، ويستمر في المنع بما أوتي من شر المعارضة، ومنع إيقاف القتل ليكسب ما يريده من المكاسب، وهذه الصين تؤيده في ظلمه واستكباره وتدميره. ويعجز غيره من الدول عن رده ومنعه، وهذا هو الفساد الواضح في قانون هذا المجلس المغبون الذي يعيق الناس في حقوقهم، ويعتدي على الشعوب بشراسة وقوة السلاح.

وأقول لقد فرّط العرب والمسلمون أيما تفريط، في حق حلب وخذلوها أيما خذلان، كما خذلها المجتمع الدولي، وتواطأ على خذلانها وإخضاعها لمصالحه.

وكان من واجب الشعب الجزائري أن يهب لنصرتها، ورفع الظلم عنها، والعمل على المصالحة بين المتنازعين في سوريا الجريحة، وهذا دين علينا لم نؤده، ولا كان لنا الوفاء به، فقد أيد شعبها الجزائر في ثورتها، وبذل ما بذل في نصرتها وتأييدها ودعمها والدفاع عنها في المحافل الدولية بكل قوة وإخلاص، فما هو واجبنا اليوم في رد الجميل، وحق حماية الشعب السوري مما يتعرض له من تدمير فاق الحربين العالميتين، وما قامت به النازية والفاشية، يا لله لك يا سوريا المحترقة !! 



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5043